هوامل الديري
مدونة ثقافية مهتمة بنشر الأفكار الشاردة بلا راع
حاويات11سبتمبر

تحلل الحاويات

عندما تحدث الرئيس الأمريكي جورج بوش في 2003أمام البرلمان الاسترالي عن العدل والحقوق وجعل العالم مكاناً أفضل، تساءل أحمد حبيب الذي كان يستمع إليه من شرفة البرلمان العامة "أين حقوق والدي يا بوش؟"

والده ممدوح حبيب (46 عاما) الذي تحتجزه القوات الأمريكية منذ العام 2002 في معسكر جوانتانامو بدون توجيه اتهام إليه مع آخرين يشتبه في وجود صلات لهم بالإرهاب. 

ولم يكن حبيب هو الشخص الوحيد الذي قاطع خطاب بوش، فقد قاطع بوب براون وكيري نيتل العضوان المناهضان للحرب، خطاب الرئيس الأمريكي.  إلا أن الرئيس تجاهل المقاطعة، واكتفى بابتسامة أردفها بقوله "أنا أحب حرية التعبير"

وقالت مها زوجة حبيب بعد حضور خطاب بوش في البرلمان "قال السيد بوش أشياء عن الحرية والديمقراطية والعدل والكرامة لكن وللأسف ما هو موقف زوجي من كل ذلك؟"

من الصعوبة أن تعثر على شيء في حاوية، يصبح السؤال عن مكان الأشياء ومكانتها صعباً، حين تستحيل في حاوية، يصبح سؤال "أين حقوق والدي يا بوش؟"، و"ما هو موقف زوجي من كل ذلك؟" سؤالاً صعباً لأنه سؤال ينتظر جواباً من خطابٍ بارعٍ الحوي، أي بارع في أن يجعل من كلماته حاوية للمعنى ونقيضه، حاوية لحب الحرية والحقوق والعدالة والسلام والديمقراطية، وحب معسكر جوانتانامو في الوقت نفسه ومن الجهة نفسها.

لكن، ما هي الحاوية؟

"تهيمن في كل معبر حضاري مجموعة من القيم يدافع عنها المجتمع، ولشدة التركيز عليها تتحول إلى "حاويات" تُهرَّب داخلها المفاهيم، من ذلك مفهوم الأصالة والتبعية والأنا والآخر"([i]).

        الحاويات كلمات أو مفاهيم ممضوغة من قبل القوى المهيمنة التي تحدد وفق إرادتها معاني الأشياء، مضغاً تفقد فيه ملامحها الحقيقية، لتغدو شيئاً هلامياً من غير شكل يميزها، عند ذلك يمكن للخطاب أي خطاب كان، خصوصاً الخطاب السياسي والإعلامي والاجتماعي أن يتلاعب بها ليلحقها بأي حاوية يُريدها.

ولكن، كيف تتحول الكلمات إلى حاويات؟

        الحاوية مركز تجمع لخليط من الأشياء غير المتجانسة وتزداد كفاءتها بزيادة سعتها وقدرتها على احتواء أكبر كمية من الأشياء، كذلك الكلمات حين تتحول الواحدة منها إلى مركز يستقبل كل المعاني الفائضة. وتزداد كفاءة الكلمة باتساع قدرتها على احتواء أكبر كمية من المعاني (الاستهوائية) التي توافق هوى القوة وإرادتها. وبهذا الاتساع تصبح مؤهلة لاستقبال فوائض معاني الخطاب السياسي.

        تستقبل الحاويات فائض المعنى لا المعنى نفسه، فائض الحرية لا الحرية ذاتها، وفائض الديمقراطية لا الديمقراطية نفسها، وفائض الشر لا الشر ذاته ولا محوره، وفائض الإنسانية لا الإنسانية ذاتها، وفائض الحقوق لا الحقوق ذاتها.

 وليس مثل الخطاب السياسي قدرة على تفويض المعنى، أي خلق فوائض من المعاني الزائدة، وفي هذه الفوائض يجد فسحته للمراوغة واللعب والكر والفر. ويمكنه بكل هدوء أن يعول على هذه الفوائض مكتفياً بابتسامة باردة تقول "أنا أحب حرية التعبير" حين يصرخ أحدهم في وجهه أنت "تحب معسكر جوانتانامو".

        لقد منح 11سبتمبر بوش تفويضاً إلهياً وسياسياً، وراح في سياق هذا التفويض يتوسع في القول والكلمات والمفاهيم والجغرافيا والدول وأنظمة الحكم،  صار يتخرَّق الأرض بفائض المعنى الذي خلعه على الإرهاب والحرية والخير والديمقراطية.

        يمكن للحاويات أن تنقذك من موقف محرج حين يصرخ أحدهم "أين حقوق والدي يا بوش؟" أو حين يتبنى أحدهم حملة "عار عليك بوش" ويمكنها أن تخفف عنك درجة أو درجتين من حرارة الإحراج  حين يوثق أحدهم عار حاوياتك في فيلم "9/11فهرنهايت". لكنها أبداً لا يمكنها أن تستر ما تراكم في سجلك من مشكل يطال العالم كل العالم، وهذا المشكل هو ما رصدته صحافة الدولة الأكثر تورطاً مع بوش في صفقة حاويات 11سبتمر.

فقد نشرت الفاينانشل تايمز البريطانية بمناسبة ذكرى التفجيرات التي استهدفت شبكة المواصلات اللندنية في 2005مقالا بعنوان "مراجعة لخطاب بوش بشأن محور الشر". تذهب  الصحيفة إلى أنه بعد مرور أربعة أعوام ونصف على الخطاب الذي أطلق فيه بوش تسمية محور الشر، رافعا العراق وإيران وكوريا الشمالية إلى مرتبة الدول المارقة بامتياز، يبدو السجل رديئا لحد الآن. وترى الصحيفة أنه بالإضافة إلى كون الولايات المتحدة استغلت تعاطف العالم بعد تعرضها لهجمات 11سبتمبر أيلول، ينظر إليها اليوم على أنها مشكل لا حل.

حين تتحول مفاهيم الحرية والديمقراطية إلى حاويات، تصبح مشكلاً يضاعف من الأزمات، لا حلاً يخفف من حدة الأزمات كما هو متوقع من هذه المفاهيم، والتجارب التي عوّلت عليها حاويات 11سبتمبر أصبحت مشكلاً بالفعل.

إن حدث 11سبتمبر أصبح مشكلاً، ليس فقط على مستوى ما يقوم به ابن لادن، فهو مشكل على مستوى ما يقول به بوش أيضاً، وما (يقول به) بوش يزيد مشكلاً على ما  (يقوله)، ذلك أن ما يقول به بوش هو قول من جانب، وفعل أمر من جانب آخر، فعل أمر يستند إلى قول حاوٍ، والقول الحاوي لا تضيع فيه حقائق الأشياء فقط، بل وتضيع فيه الفواصل بين السحر وغير السحر، الفواصل بين عصا موسى وعصوات سحرة فرعون، فالحاوي ساحر يخلط الأشياء ويزيفها. وعصوات (فرعون بوش) قادرة على أن تجعل أوضاع الناس في (فوضى خلاقة) لا يميزون فيها الأفضلية بين الحياة تحت عصا الدكتاتور والحياة تحت عصا الحاوي.

"إن الطريقة المثلى لحماية أمريكا هي الاستمرار في وضع الهجوم" هذا ما قال به بوش. وهو فعل أمر صاغ سياسة الولايات المتحدة الأميركية منذ 11سبتمر،  لكن كي يصبح الفعل أكثر تبريراً، فإنه يحتاج إلى قول أكثر حوياً. لذلك قال بوش"بالإمكان أن تثق الولايات المتحدة وحلفاؤها بالنصر في الصراع الأيديولوجي العظيم للقرن الحادي والعشرين لأننا رأينا البلدان الحرة تهزم الإرهاب من قبل"

ما هي البلدان الحرة؟ ما البلدان التي يحويها خطاب بوش؟ هل هي بلدان "النظام العالمي الجديد" الذي أطلقه بوش عام 1991 تحت شعار  "ما نقوله يمشي". لكن كيف تكون البلدان حرة وهي تمشي وفق إرادات حاويات بوش؟



([i]محمد العمري. دائرة الحوار ومزالق العنف:كشف أساليب الإعنات والمغالطة مساهمة في تخليق الخطاب.الدار البيضاء:أفرقيا الشرق.ط1. 2002م.ص75

(2) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 23 سبتمبر, 2006 12:16 م , من قبل mbs29
من تونس

هنا لمة رمضان


http://mbs29.jeeran.com/archive/2006/9/97075.html

اضيف في 25 سبتمبر, 2006 10:23 م , من قبل بحرانية
من البحرين


تحياتي أخ علي

أعجبني المقال جدا..لأنه بلور القضية بصورة واضحةوشاملة...

نعم أتفق معك في أن اغلب الخطابات السياسة خطابات حوائيه إن صح التعبير...غرضها واحد..ولكن الحاويات كثر...

كما اجزم ان هنالك اشخاص في مجتمعنا من من يمتلكون شخصيات مركزية ومؤثره يتمتعون بحسن استخدام الحاويات..وان كان هنالك شتان بين حاويات بوش وحاوياتنا...فحاوياتنا تميل الى التوصيف والمجاملات والمركزيات ..وكثير من التنظير...

اشكرك مجددا على المقال



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية