"شراء الأرض بواسطة الصندوق القومي اليهودي يسمونه خلاص لماذا خلاص؟ هل توجد حركة قومية في العالم تسمي شراء الأرض خلاصا" إسرائيل شاحاك
كي نفهم استنكار إسرائيل شاحاك على هذه التسمية، لابدًّ أن نعيد تأهيل خارطتنا الإدراكية التي نفهم من خلالها إسرائيل، وإحدى أهم مفاتيح خارطة فهم إسرائيل، هو مفهوم الخلاص. فما هو مفهوم الخلاص؟ وما علاقته بالصهيونية وقيام دولة إسرائيل واستمرار وجودها وتحالفها مع اليمين الأصولي المسيحي الأمريكي؟
يذهب (غبرييل بتربرغ) إلى أن هناك ثلاث أساطير تأسيسية تسم الثقافة الإسرائيلية حتى يومنا هذا([1]): نفي المنفى، العودة إلى أرض إسرائيل، العودة إلى التاريخ.
ترتبط فكرة المنفى عند اليهود بالشتات الذي عاشوه طوال التاريخ، بسبب ما وقع عليهم من هزائم وحروب وتدمير وحرق واضطهاد، وذاكرة الشتات اليهودية تمتد إلى سنة 586 ق.م، في هذه السنة غزا للمرة الثانية نبوخذ نصر القدس وقام بحرق الهيكل ودمر المدينة وأخذ 50.000 أسيرا إلى بابل وآلت فلسطين بعد ذلك إلى حكم الكلدانيين. وفي سنة66 م، إبان الحكم الروماني اصطدم اليهود مع الرومانيين عدة مرات. وقام القائد الروماني "تيتوس" بمحاصرة القدس ودخلها عام 70 م. ثم حرق الهيكل الذي بناه هيرود.
كان شتاتاً لوجودهم وكتاباهم وهويتهم ودينهم وأمنهم وعرقهم. لقد أنتج هذا الشتات مدوناته السردية على المستوى الديني والتاريخي والسياسي والأسطوري والأيديولوجي. ودون الدخول في تفاصيل هذه المدونات، من المهم أن نلاحظ أن اليهودية ظلت ملتزمة طوال فترة الشتات بالأيمان الثلاثة التي ظلت تحدد قواعد العناصر الرئيسة للسلوك اليهودي أينما وجد، وهي مبادئ أقسم عليها اليهود، وظلت سارية لديهم منذ دمار الهيكل الثاني عام 70م والتي تنص على:
ـ الامتناع عن تعجيل النهاية المحتملة بالوعد الإلهي بالخلاص.
ـ الامتناع عن أي ثورة ضد الشعوب الأخرى أو إثارتها.
ـ عدم محاولة تملك الأرض المقدسة أو الهجرة الجماعية اليهودية إليها.
اليهود المعارضون للصهيونية ولقيام إسرائيل، يصدرون عن الالتزام بهذه الأيمان الثلاثة التي تحرم قيام الدولة قبل مجيء المسيَّا(المسيح المخلص). عن هذا الالتزام كان يصدر الحاخام (يسروويل ويس) الذي أجرت معه في 8يوليو2006 محطة فوكس الأمريكية ما وصف أنه أهم لقاء على وجه الكرة الأرضية، وهذا هو الوصف المرفق مع الإيميل الواسع التداول الذي عمل على نشر هذه المقابلة على نطاق واسع.
قد وصف هذا الحاخام الدولة اليهودية بأنها شيء شرير وبغيض وأن الصهيونية حوَّلت اليهودية من ديانة روحية إلى شيء مادي ذي هدف قومي للحصول على قطعة أرض، وقال إن جميع المراجع قالت إن هذا الأمر يتناقض مع ما تدعو إليه الديانة اليهودية، وهو أمر محرم وقطعا في التوارة لأننا منفيون بأمر من الله. وقال أيضاً نحن نصلي من أجل التعجيل بتفكيك هذه الدولة اليهودية بطريقة سلمية.
الصهيونية أوجدت لها مخرجا تأويليا يخلصها من الالتزام بالأيمان الثلاثة، فعجلَّت بقيام الدولة، أي أنها عجلت بالخلاص، باعتبار قيام إسرائيل عملية خلاصية لليهود من حالة الشتات، فهي نفي لمنفاهم (شتاتهم). ونفي المنفى يتطلب إيجاد أرض تخلِّص اليهود من حالة الشتات، وإيجاد الأرض يتطلب تقديم تاريخ للأرض يبرر خلاصها.
من هذه المتطلبات التي سمَّاها (غبرييل بتربرغ) بالأساطير التأسيسية الثلاث، جاءت إسرائيل (الخلاص). وهي أساطير صاغها الآباء المؤسسون للصهيونية في صيغة مشروع خلاص لليهود، وقد قدمت الصهيونية التبرير التالي لمشروع الخلاص([2]):
إن الوجود غير الإقليمي لابد وأن يكون غير طبيعي وناقصا وغير أصيل. وإن المنفى خلو من الفحوى بحد ذاته كتجربة ذاتية، فهو لا يستطيع أن يكون إدراكا كاملا لروح الإمة. وطالما كان اليهود مصابين بلعنة المنفى كأفراد أوتجمعات، فإن بإمكانهم في أحسن الحالات أن يعيشوا حياة جزئية أو عابرة في انتظار الخلاص من خلال الصعود (الهجرة ) مرة أخرى إلى إسرائيل المكان الوحيد الذي يمكن ان تتحقق فيه مصائر الأمة.
إن الأمة هي الموضوع التاريخي المستقل الذي لا ينازع أما الدولة فهي نهاية المسير نحوتحقيق الذات. طالما كان اليهود في المنفى فإنهم سيبقون جالية خارج التاريخ تتغلغل في أعماقها كل القوميات الأوربية. الأمم التي تستولي على أرضها فقط وتبني عليها سيادتها تكون قادرة على تشكيل مصيرها.
الخلاص بحسب الأيديولوجيا الصهيونية، هو إذن خلاص من غير الطبيعي وخلاص من غير الأصيل وخلاص من الناقص، ومن الخلو من الفحوى، ومن الإدراك غير الكامل لروح الأمة، وخلاص من لعنة المنفى، ومن الحياة الجزئية والعابرة، ومن البقاء خارج التاريخ، وخلاص من عدم القدرة على تشكيل المصير.
إن تحويل الخلاص من مسألة دينية اعتقادية إلى مسألة أيديولوجية سياسية، تطلب تدمير الموقع الديني وبناء هيكل أيديولوجي عليه، وهذا ما فعلته الصهيوينة، وهو تماماً ما عبر عنه ببلاغة ناقدة الأديب والروائي العبري حاييم هزار"عندما يعجز الإنسان عن أن يكون يهودياً يصبح صهيونياً.. ولست أبالغ بذلك ـ الصهيونية تبدأ من موقع تدمير اليهودية من المكان الذي أنهكت فيه قوى الشعب ـ هذه حقيقة..!"
ستدمر الصهيوينة اليهودية، باسم الخلاص، ولن يكون مشروع الصهيونية خلاصاً للروح اليهودية التي دافع عنها الحاخام (يسروويل ويس) بل تدميراً لها، لقد فقدت اليهودية كديانة روحها بهذا التدمير، فقد أفسدت الصهيونية كما يقول الحاخام (يسروويل ويس) كل شيء على الناس جميعا، اليهود وغير اليهود، اليهود يعانون والفسطينيون يعانون.
ستنتج الصهيونية متدينين على طريقتها، متدينون صهيونيون من غير روح، متدينون موتورون يرون خلاصهم في نفي الأغيار غير اليهود. متدينون خلاصيون على الطريقة الصهيونية، متدينون لا يستطيعون أن يكونوا يهوداً. يفقد اليهودي تدينه بمجرد أن يصبح صهيونياً لأنه يفقد الأيمان الثلاثة. الأحزاب الأصولية والدينية المؤمنة بالخلاص الصهيوني مختلفة تماماً عن المتدينين اليهود الذين لا يؤمنون بالمشروع الصهيوني كالحاخام (يسروويل ويس).
فالأحزاب الأصولية تريد أن تسيِّس نصوص التوراة وشعائرها في الدولة، تريد للخلاص (دولة إسرائيل) أن يكون خالص اليهودية. كما هو الأمر مع (الميسيائية) التي تتعاطف مع الأحزاب القومية الدينية وتعتقد بقرب قدوم المسيَّا (المخلص) وتبدل الأزمة وقرب بداية الخلاص، ومهمة اليهود تحضير أفضل الشروط للمخلص القادم، وتتحقق هذه المهمة بمصادرة الأراضي العربية في القدس، والتخلص من وجود أي ديانة في القدس، وتعتقد أنه كلما قل عدد غير اليهود في القدس ازداد الرب سروراً وتسارعت بداية الخلاص.
استنكار (شاحاك) ليس فقط على التسمية، تسمية شراء الأرض بواسطة الصندوق القومي اليهودي (خلاصا)، ولكن على ما تحيل إليه التسمية، وهي تحيل إلى الصهيونية، ومفهومها الأصولي للخلاص. وهو مفهوم يجعل منها محوراً وتجسيداً للشر كما يقول هو.
إن هذا الفهم الخلاصي للأرض ومقتضياته الشريرة، يدفع (شاحاك) إلى أن ينزع عنها صفة القومية، فالقوميات في العالم لا تختلق لها أرضاً كما هو الأمر مع الصهيونية ومنظر قوميتها المؤرخ الروسي "سلمون دوفنوف" الذي أوجد حلاً توفيقياً لتبرير هذه القومية عن طريق قوله بالنماذج الثلاثة للقومية([3]). الأول: النموذج القبلي واللصيق بالطبيعة والأرض، الثاني: النموذج الإقليمي والسياسي، وهو أقل ارتباطاً بالأرض وأكثر ارتباطاً بالدولة الحديثة، الثالث: النموذج الروحي، المستند على الوعي بالذات التاريخية، وهذه هي القومية الصهيونية، وهذا النموذج لا ينطبق إلا عليها.
وكي تعطي شرعية ومعقولية مقنعة لتسميتها عملية شراء الأرض بالخلاص، أسندت هذه العملية إلى مرجعية تلمودية تقدس أرض الميعاد وتجعل من العيش فيها عملية تضاهي الإيمان بالله([4])"من يعش خارج أرض الميعاد فهو كمن يعبد الأصنام"، "إن العيش في أرض إسرائيل يعادل الوصايا الإلهية الأخرى"،"إن اليهود ما لم يقطنوا في مدنهم ويملكوها عليهم أن يرددوا يا للشقاء، يا للوحدة ويدوم سجن إسرائيل بدوام المسلطين الأغراب على العالم".
هكذا يتم تأليه الأرض أو بتعبير أدق صهينتها، وهو ما عبر عنه الحاخام "رينر" أحد كبار علماء التوراة في إسرائيل بقوله "أرض إسرائيل لشعب إسرائيل، حسب توراة إسرائيل"
تتكون إذن دولة الخلاص، في منظور المتدين الصهيوني، من أرض خالصة اليهودية، وشعب خالص اليهودية، وشرائع خالصة اليهودية. الدولة الخالصة هي دولة الخلاص، وهي ليست من صنع اليهودية، لكنها من صنع الصهيونية.
وبهذا يتم صهينة الخلاص، أي تحويله إلى دولة إلى أيديولوجيا إلى عنف إلى أسطورة إلى مستوطنات إلى محنة أخرى لشعب آخر، إلى جدر عازلة إلى حروب استباقية إلى قوة ردع إلى مناطق عازلة إلى طرق التفافية إلى إفراط في استخدام القوة (التعبير المهذب لجرائم الحرب). إلى محنة شرق أوسطية.
كيف صاغ مفهوم الخلاص سياسة إسرائيل الأمنية، وعلاقاتها بالأغيار، وعلاقتها باليمين المسيحي المؤمن بفكرة الخلاص، ومفهومها لذاتها؟
هذا ما سأحاول أن أفهمه في المقالة القادمة








