هوامل الديري
مدونة ثقافية مهتمة بنشر الأفكار الشاردة بلا راع
خرائط الحرب

تقاس الأحداث بقوتها، بقوة ما تنجزه من تغييرات، ولا شيء يماثل الحرب من حيث قوة ما تنجزه من تغييرات وتحويلات.

الحرب لا تغير الجغرافيا فقط ولا التاريخ فقط. إنها تغير خرائطنا الذهنية التي ندرك من خلالها الجغرافيا والتاريخ. هكذا أفهم الحرب، ليس من وجهة نظر سياسية، ولا من وجهة نظر استراتيجية، ولا من وجهة نظر أيديولوجية، ولكن لأقل من وجهة نظر ثقافية.ما الذي يمكن أن تكون هذه الحرب الإسرائيلية قد غيرته على خارطتي الذهنية؟ أنا أتحدث عن خارطتي هنا، أما عن خرائط الإدراك العامة في محيط المثقفين ومحيط الجماهير، فما زال الأمر مبكراً، وإن كانت العلامات آخذة في التشكل والظهور.

الخرائط الإدراكية هي "المقولات والصور الإدراكية التي يدرك من خلالها الإنسان نفسه وواقعه ومن حوله من بشر ومجتمعات وأشياء. وهذه المقولات والصور تشكل خريطة يحملها الإنسان في عقله ويتصور أن عناصرها وعلاقات هذه العناصر بعضها ببعض تشكل عناصر الواقع وعناصره"([1]).

إن القوة المفرطة التي استخدمتها إسرائيل في حربها على لبنان براً وبحراً وجواً، تحتاج إلى خارطة فهم، ولا أعني بالفهم هنا، فهم الأبعاد السياسية والاستراتيجية التي أفاض في شرحها وتحليلها السياسيون والخبراء والإعلاميون والمراسلون الحربيون الذين قدموا تجربة متميزة في الأداء الإعلامي العربي، وإنما فهم خارطة الخطاب الذي تستند إليه هذه القوة، أي فهم خارطة خطاب هذا الخطب (الحدث/ الحرب). نحتاج إلى خارطة فهم جديدة لنفهم خوارط الطرق الجديدة التي تشقها حروب الشرق الأوسط.

في خارطتي الإدراكية أفهم هذا الخطاب من خلال الأوصاف والمقولات والمفاهيم التالية: إسرائيل دولة قوية ومتطورة وديمقراطية وعنصرية وهمجية وكولونيالية (استعمارية احتلالية) ومغتصبة ومدعومة من قبل أميركا وهي كيان صهيوني مزروع في أراضينا العربية ولديها قوة ردع رهيبة.

وجدت أن مفاهيم خارطتي الإدراكية ليست خاطئة تماماً ولكنها مشوشة وعامة ومتناقضة ولا يمكنها أن تقدم لي فهماً متماسكا أو عميقاً لما يحدث، فما يحدث أقوى من أن تستوعبه أو تفسره هذه الخارطة. وجدت أني بحاجة إلى إعادة بناء خارطتي الإدراكية لأقدم لنفسي تفسيراً يستوعب هذه الهزة القوية التي غيرت ما تراه عيوننا وما تسمعه آذاننا وما نعتبره من أولوياتنا، وما نستند إليه في حجاجنا ودفاعنا.

  ما هي إسرائيل؟ هل هناك مجتمع إسرائيلي؟ ما الصهيونية؟ كيف نشأت؟ ما علاقة إسرائيل بالصهيونية؟ هل هناك هوية إسرائيلية؟ ما علاقة الصهيونية باليهودية؟ هل هناك يهود معارضون للصهيونية في إسرائيل؟ هل إسرائيل دولة علمانية؟ كيف تكون إسرائيل ديمقراطية وعنصرية؟ ما علاقة الدين بالسياسة في إسرائيل؟ كيف تحدد إستراتيجية الأمن سياسة إسرائيل الداخلية والخارجية؟هل إسرائيل هي نفسها طوال خمسين عاماً؟ هل لدى إسرائيل دستور؟ هل لها حدود دولية؟هل هناك مثقفون إسرائيليون معارضون وغير صهيونيين؟ هل هناك مؤرخون جدد يقدمون رواية مختلفة عن الرواية الرسمية التي تقدمها السياسة الإسرائيلية؟ وهل هم يعيدون صقل الصهيونية أم نقضها؟ ما التناقضات التي تشتغل داخل المجتمع في إسرائيل؟ كيف تنظر الصهيونية إلى اتفاقيات السلام؟ كيف تنظر إلى ذاتها؟

جميع هذه الأسئلة، كان يحركها سؤال أساسي هو: ما الذي فعلته المقاومة اللبنانية في إسرائيل؟ ما الذي أحدثته؟ وهو سؤال وإن كان مشوباً برغبة عاطفية جامحة في الوصول إلى إجابة تؤكد أن حزب الله انتصر على إسرائيل، لكنه مشوب أكثر بتجاوز هذه الرغبة إلى بناء خطاب متماسك يقدم فهماً أكثر لطبيعة الدولة الإسرائيلية وطبيعة مجتمعها وطبيعة ما يحدث فيها.

لن أشعر بأي حرج إذا ما قلت أني أجهل الإجابة على هذه الأسئلة، وأن خارطتي الذهنية لا يمكنها أن تجيبني إجابات مقنعة على هذه الأسئلة. ما الحل؟ كيف أعيد تأهيلها؟

تذكرت أن مجلة الكرمل التي يصدرها محمود درويش منذ أكثر من عشرين عاماً، كانت تخصص في النصف الثاني من التسعينيات باباً تحت عنوان "نقد الصهيونية". لم أكن ألتفت لهذا الباب أبداً، ولم أكن أشعر بأدنى حماسة حتى لتصفحه. مع حدث هذه الحرب صار هذا الباب هو مجلة الكرمل بالنسبة لي. ولحسن الحظ وجدت أعداد المجلة منذ عام 2000كلها متوافرة على الانترنت، فطبعت جميع ما كتب من دراسات بأقلام يهودية من داخل إسرائيل حول هذا الموضوع "نقد الصهيونية". فما الذي تقوله هذه الأقلام؟ وما الإجابات التي يمكنها أن تقدمها؟ وما المفاهيم والمقولات التي يمكن أن تزود بها خارطتي الذهنية؟

وجدت في قلم (إسرائيل شاحاك) ([2]) نموذجاً بالغ الثراء لخارطتي، ومنه يمكن الدخول على خطاب ما بات يعرف بـ (ما بعد الصهوينية). وهو خطاب متنوع ومتعدد ومتباين في توجهاته وفي منطلقاته وغاياته.

يذهب (إسرائيل شاحاك) إلى أن الصهيونية بحسب كتابات الآباء المؤسسين الذين تدرس كتاباتهم في المدارس، من أمثال بن غوريون ووايزمان وجابوتنسكي، تقوم على ثلاث مبادئ، وهي: يكره الناس كلهم اليهود كراهية لا تزول ولا تدول. وأرض إسرائيل تخص اليهود وحدهم وإلى الأبد. وعلى جميع اليهود القدوم إلى إسرائيل وإقامة دولتهم.

فيما يشبه المسلمة يؤكد (شاحاك) إن كل تحليل للصهيونية لا ينطلق من حقيقة اعتبارها تجسيداً للشر لا يوصل صاحبه إلى نتائج مفيدة.الوجود الإسرائيلي اليهودي كان غزواً لفلسطين، وعملية السلام هدنة مؤقتة ومحاولة للسيطرة على الفلسطينيين بطريقة جديدة. السلام الحقيقي لن يحدث إلا إذا تزعزعت الصهيونية. لن تصبح إسرائيل دولة طبيعية طالما بقيت صهيونية، إذا بقيت تعتقد أن كل العالم يكرهها وليس جيرانها فقط. كل الجوانب السلبية تتجسد في الصهيونية وهي ليست حركة قومية.

بحسب الديانة اليهودية مهمة إنشاء الدولة متروكة إلى إلى التدخل الإلهي، والمتدينين اليهود أوكلوها إلى قدوم المخلص (المسيّا). إلا أن الصهيونية أنشأت الدولة دون التدخل الإلهي، عندما قامت بعلمنة الديانة اليهودية.

الصهيونية هي التي تشكل طبيعة المجتمع الإسرائيلي الآن، والاتجاه المعادي للصهيونية مازال محصورا في أقلية ضئيلة، لكن يقول (شاحاك) لو قلت قبل 40 عاما أنني معاد للصهيونية لنبذوني من المجتمع، أما في الوقت الحالي فالجميع يعرف أنني معاد للصهيونية ويتكلمون معي.

المجتمع في إسرائيل مهدد بانقسامات حادة بين الأصوليين الأشكناز والمتدينين السفرديم، وتصل إلى حد إمكان نشوب حرب أهلية بين المتدينين والعلمانيين.لا توجد هوية إسرائيلية، توجد هوية إسرائيلية يهودية، وهي لا تسمح بدمج الفلسطينيين الذين يشكلون 20%من مواطنين إسرائيل.

يقول (شاحاك) في سيرته أنه تخلى عن الديانة اليهودية في سن 18ومع ذلك حافظ على صهيونيته معتقدا أن صهيونية بن غوريون تقوم على مكونات طبيعية، لكنه في عام1956 عندما سمع بن غوريون يقول إننا نريد إعادة مملكة سليمان وداود، أدرك أن هذه مسألة دينية وليست سياسية. وقد لعبت مجزرة كفر قاسم دورا في تحوله للعداء ضد الصهيونية، وبعد عودته من تجربة الدراسة في أمريكا عام 1963 أصبح معاديا للصهيونية.

على المستوى الشخصي، يعتبر (شاحاك) نفسه يهوديا وهو شديد التعلق بالثقافة اليهودية وباللغة العبرية وهو يشعر بأنه امتداد للهسكلاه (حركة التنوير قبل مجيء الصهيونية) وهو يريد أن يحول اليهودية إلى تجربة فردية خاصة. وهو يؤمن أن الحل في إقامة دولة علمانية حقيقية تقوم هويتها على المساواة في المواطنة والحقوق.

يبدو أن خطاب (شاحاك) ليس وحيداً وشاذا ومنفردا في إسرائيل فقط بل حتى في عالمنا العربي، وهذا ما يدفعه إلى أن يقول فيما يشبه الشكوى أن الأحداث والأيام أظهرت عدم وجود فهم وتحليل مفصل وموضوعي للمجتمع الإسرائيلي ـ عربياً وفلسطينياً كما أن العرب بعامة لا يعيرون اهتماماً لما يناقش إسرائيلياً.

إن الاهتمام بـ(شاحاك) ليس من باب وشهد شاهد من أهلها، وليس من باب ما يقوله العدو، وليس من باب (ثم اهتديت). إنه خارطة فهم جديدة. والحرب تفتح خوارطنا كما تفتح خواطرنا.



[1]) الخرائط الإدراكية، عبدالوهاب المسيري.

[2]) انظر: دراساته المترجمة وحواراته التي قام بها (حسن خضر) في مجلة الكرمل.

 

(1) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 08 يناير, 2008 10:25 ص , من قبل m khali
من فلسطين

موفق في طرحك في الموضوع امام ما يجهله الكثير من العرب حقيقة الفكر والتوجهه الصهيوني!

محاولة راشدة وجديرة بالشكر لطرحك اياها،،

دعوة للانضمام الى منتدى وصال العرب هناك ستجد جوقةً لا متناهية من الثقافة المفتوحة
مصافحتي لكْ

http://www.arabslink.net/vb/forumdisplay.php?f=15



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية