تفسير المجتمع المرجو استناداً إلى الماضي مشروع سياسي أصولي

قال المؤرخ السوري عزيز العظمة في لقاء موسع على هامش زيارته لمركز الشيخ إبراهيم بن محمد الخليفة للدراسات والبحوث "إن المهمة الأساسية للمؤرخ هي أن يرفض حدود الاستمراريات، وأن يرفض أماكنها " مشيراً في معرض رده على سؤال حول مشروعية تفسير الحاضر بواسطة الماضي بالقول، " في هذا إجحاف بحق الواقع الآني وبحق التاريخ ". وبّين العظمة " أن العديد من المشكلات التي تواجهنا اليوم على اختلاف صياغاتها الأيديولوجية والخطابية، تعود إلى هذا الخلط بين الأزمنة، وإلى توهم ماضٍ لم يكن قائماً، وإلى توهم مستقبل مشتق من الماضي ".
العودة للمنابع وهم لاستدعاء عواطف الناس
- ماذا يعني أن تكون مؤرخاً ؟
* ماذا يعني لي أن أكون مؤرخاً؟ هذا سؤال صعب. لأنني بدأت فيلسوفاً ثم اتخذتُ اتجاه التاريخ، لأسبابٍ هي في معظمها عامة. فنحن نعيش في منطقة من العالم ليست مشبعة بالتاريخ فحسب، وإنما هي - أيضاً - مهووسة بالتاريخ. فرأيت أن عليَّ النظر العلمي في أمور التاريخ. وبدأت بالعمل حول " ابن خلدون "، وكان اتجاهي الأساسي هو نفي صفة الحداثة عنه. لأن نسبة صفة الحداثة لابن خلدون تجعلنا ندخل في مجال لا تاريخي؛ وذلك بإسقاط أمور حديثة على أمور تنتمي لعصر آخر. وأنا ضد اختلاط الأزمنة والعصور. وأعتقد أن العديد من المشكلات التي تواجهنا اليوم على اختلاف صياغاتها الأيديولوجية والخطابية، تعود إلى هذا الخلط بين الأزمنة، وإلى توهم ماضٍ لم يكن قائماً، وإلى توهم مستقبل مشتق من الماضي. وجملة هذه الأمور، أدَّت بي إلى الابتداء بالبحث التاريخي. ولكن العمل التاريخي، يعني بالنسبة لي، ممارسة عقلية متجردة قدر الإمكان من أهواء اليوم. كما ترمي إلى إضفاء الصفة التاريخية أي الماضوية على جملة من الأمور، وإلى النظر في قطاعات التاريخ وإلى تحولاته. فأنا مؤرخ بمعنى أنني مراقب للتحوُّل ولستُ مراقباً للثبات.
- إلى أي حد تلتقي مع المنظور الذي يرى التاريخ علم لتفسير الحاضر بواسطة سيرورة الماضي؟
* قد يُقال هذا الشيء، لكنني أُرجِّح أن نعكس هذه الصياغة. أي أن يُقال أن الكثير من النظر إلى التاريخ، مستقى من هواجس وقضايا الحاضر. ومن ثم، نحاول أن نعثر في التاريخ على ما ينتمي إلى يومنا، ونسقط على الماضي ما نراه اليوم بيننا. وفي هذا إجحاف بحق الواقع الآني وبحق التاريخ. أما قضية الاستمراريات التاريخية، فهناك استمراريات ولكن ليست دون تحوُّل. والمهمة الأساسية للمؤرخ هي أن يرفض حدود الاستمراريات، وأن يرفض أماكنها في واقع الحاضر المتحوِّل. أي كيف تتحوَّل هذه الأمور المستقاة من التراث - على سبيل المثال- وبأي شكل. لنأخذ مثلاً الخطاب السياسي الإسلامي. إنه يدَّعي أنه العودة إلى المنابع .. ماذا يعني العودة إلى المنابع؟ أولاً، هناك صورة متوهمة عن هذه المنابع، لأنها لم تخضع إلى التمحيص التاريخي. وثانياً، نرى أن الصورة المنسوبة إلى هذا الماضي الذهبي، منسوجة على منوال مستقبل مرجو. وهذا المستقبل له توصيف سياسي واجتماعي وثقافي بالغ التعيين، وبالغ في المحافظة، وهو توصيف شمولي في الشكل السياسي الذي يرتجيه. ولذلك نرى كيف أن المادة المستقاة من الماضي، تُستخدم على شكل رمزي، لاستدعاء عواطف الناس في وصف صورة لمجتمع مرجو، وهذا المجتمع المرجو، نتيجة لمشروع سياسي أصولي معلوم.
الثقافة العربية لا تحب التاريخ لفرط محبتها له
- كان " ابن خلدون " يُعرِّف التاريخ بأنه تحكيم أصول العادة وقواعد السياسة. هل يمكن لهذه القواعد أن تحل مشكلة الاختلاق التاريخي أو السردي، أو لنقل هل يمكن لهذه القواعد أن تخلق تاريخاً حقيقياً أو موثوقاً، إن صح أن نتحدث عن تاريخي حقيقي؟
* البحث عن التاريخ الحقيقي في نظري، هو محاولة للحدّ من إمكانيات فعل التاريخ في الحاضر. لأن هذا الفعل لن يكون فعلاً سليماً في المجتمع والثقافة العربيين المعاصرين. أما ما يعود إلى عبارة " ابن خلدون " حول أنه تحكيم لأصول العادة، وقواعد السياسة، وقياس الغائب بالشاهد، والحاضر بالغائب وما إلى ذلك من عبارات ابن خلدون، فهي أسس عامة لكل بحث تاريخي يتوخى شيئاً من الدقة. وللعلم، فإن المطَّلع على تاريخ ابن خلدون وليس على المقدمة فحسب، يرى أنه لا يطبق هذه القواعد التي وضعها في مقدمته، لأنه كان مؤرخاً محافظاً ولو كان مؤرخاً بارعاً جداً وخلاَّقاً.
- ما الذي بقى من ابن خلدون؟
* بقي الاستيحاء الجمالي، وشيء من الاستيحاء المعنوي. بمعنى أننا نرى في ابن خلدون وفي مظاهر أخرى من التراث، مدعاة للفخر. ولكن علينا أن نحدِّد ما معنى الفخر هنا. الفخر ليس رغبة في الاستعادة. إن الرغبة في الاستعادة عملية لا طائل فعلياً منها. والفخر بمعنى شيء من التقدير الجمالي والمعنوي لما حدث في ماضينا، من دون محاولة احتذاء ذلك. وهذا شيء طبيعي في كل الأفراد وفي كل الجماعات. والمهم تحييد هذه المادة، وعدم التوهم بأن ما كان صالحاً وجيداً ومحموداً في القرن الرابع عشر، سيبقى صالحاً وجيداً ومحموداً في القرن الواحد والعشرين.
- هل نحن نتعامل تعاملاً لا تاريخياً مع ابن خلدون؟
* بكل تأكيد. إن الثقافة العربية عموماً لا تحب التاريخ كثيراً من فرط محبتها للتاريخ. أي أنها تحاول أن تماهي الحاضر بالماضي، وأن ترى المستقبل على صورة استعادة الماضي، سواء إن كانت هذه الاستعادة، استعادة عامة تحت عنوان المجد، أو إن كانت استعادة لبعض القواعد الفقهية التي كانت تناسب القرن السابع أو القرن الثامن، وهي ليست مناسبة للقرن الواحد والعشرين.
التاريخ محكوم بجملة من القوانين العامة
- هل من الممكن القول أن التاريخ هو علم استرجاعي تتداخل فيه السياسة والاقتصاد والأنثروپولوجيا وعلم الاجتماع ووو؟
* التاريخ هو تاريخ. ومن الممكن كتابة تاريخ اجتماعي واقتصادي وأنثروپولوجي. ومن الممكن – أيضاً - كتابة تاريخ للأدب، وتاريخ للفلسفة، وتاريخ للفن، وتاريخ للديانات. ولكن الطريقة السليمة لكتابة التاريخ ليست مجرد سرد للأحداث المتتالية في هذا المجال أو ذاك. ولكنه محاولةأولية في التنظيم وفي المقارنة بين التواريخ المختلفة. فمثلاً، إن أخذنا نُظُم السلطة في ظل الخلافة، فإننا سنجد أن هناك مجالات واسعة جداً على الصعيد الأنثروپولوجي وعلى الصعيد السياسي وعلى صعيد التلاقح التاريخي، للمقارنة بين نُظُم الخلافة وبين الإمبراطورية. وهذه القضية تدفعنا إلى أن نقلع عن الاستزادة من التظاهر بالفرادة في التاريخ. لأن التاريخ محكوم من قِبل جملة من القوانين، قانون مرسوم على شكل بالغ العموم، وهي تصدق على جميع المجتمعات. وليس هناك شيء يميِّز العرب عن اليونانيين أو عن الرومان، إلا الموقع الجغرافي، وكتلة بشرية معينة، وفترات زمنية معينة. ولكن القواعد التي تحكم سير المجتمعات على امتداد الزمن، هي واحدة. هناك استمراريات مدهشة بين تاريخ الإمبراطورية الرومانية وتاريخ الإمبراطورية العربية. نحن نرى القطائع ( الانقطاعات ) ضمن الاستمراريات، ونرى الاستمراريات ضمن القطائع. فعندما نتكلم عن الإمبراطورية الرومانية والإمبراطورية العربية، فإننا نتكلم عن وحدة جغرافية كادت أن تكون واحدة، ونتكلم عن جملة من الخصائص الأنثروپولوجية للسلطة، ونتكلم عن توازيات مدهشة في تطوُّر الأديان. أي عن تطور الأديان الرومانية نحو شيء من التوحيدية، ثم تطوُّر المسيحية، ثم تطوُّر الإسلام انطلاقاً من أديان وثنية.
- لقد بدأتَ فيلسوفاً ثم مؤرخاً، كيف صاغ الفيلسوفُ المؤرخَ فيك؟
*الكثير. وأعتقد أنه لولا بدايتي الفلسفية لما كنتُ قادراً على الإلمام بمفهوم «العموم» في التاريخ مثلاً. أي البحث عن الأمور المشتركة بين التواريخ المختلفة. وقد علمتني الفلسفة أن أنظر نظراً جلياً ودقيقاً إلى العلاقة بين العام وبين الخاص، وأن أنظر إلى الزمن الذي مكنني من رؤية جملة من التشابهات. لأن الفلسفة في نهاية المطاف هي شيء من المران على التفكير المُمَنهج.
جميع قواعد السرد التاريخي من صناعة " هيجل "
- تبدو الفلسفة نظراً مجرداً محضاً للحياة، ويبدو التاريخ قصة مجسدة للحياة. كيف بدا الأمر في تجربتك؟
* قبل أن يكون التاريخ مجال النظر إلى الماضي كقصة، كانت هناك الأسطورة، ثم جاء التاريخ. ولم يحدث ذلك إلا بسبب ثورة معرفية، كانت الأسس الأولية لها أسس فلسفية. مثلاً، مفهوم الواقعة التاريخية، ومفهوم الموضوعية وغيرها من المفهومات، مستقاة جميعها من مجال التفكير الفلسفي. ولا أعتقد أن التاريخ قد استطاع أن يصبح علماً لولا وجود الفلسفة. والفلسفة تعني هنا طبعاً فلسفة التاريخ.
- أستحضر الآن " ميشيل فوكو " باعتباره فيلسوفاً ومؤرخاً، لقد تداخل عمله الفلسفي في عمله التاريخي. فراح يفلسف ويؤرخ ويعيد الاعتبار للمهمش والمقصي الذي لا ينتمي للأحداث الكبرى كالجنون والسجن؟ وباعتبارك فيلسوفاً ومؤرخاً هل أعدتَ في تجربتك الاعتبار للمهمش في التاريخ؟
* إنْ كنتُ قد أحدثتُ انقلاباً في كتابة التاريخ، فهذا أمر عائد لتقدير الآخرين وليس لتقديري أنا. ولكن دعنا نتذكر أن فلاسفة التاريخ الأوائل والأهم، " هيجل " و" هاربر " و "ماركس " وغيرهم، كتبوا سرداً تاريخياً أصبح الأساس في كل الكتابات التاريخية اللاحقة. ودعنا لا نفرِّق بين الاثنين، لأن لكل رواية تاريخية بنية معينة، بنية داخلية، وبنية تسلسلية للأحداث، وفصل بين ما هو تاريخي وبين ما هو ليس تاريخياً، وبين ما يُذكر وما يُحذف وإلى آخر ذلك. وجميع قواعد السرد المعين لروايات تاريخية معينة، أو لتاريخ العالم جملة، هي في الواقع وحتى يومنا هذا، من صناعات " هيجل ". أما " فوكو " فقد أحدث تحولات أساسية في النظر إلى التاريخ، خصوصاً مع مفهوم بالغ الأهمية، وهو مفهوم الانقطاع بين الفترات التاريخية المختلفة. فالذي صنعه فوكو، والذي أحاول أن أصنعه أنا أيضاً، ولكن من منطلقات مغايرة بعض الشيء، هو أن أرى في كل عصر، جملة من المفهومات الحاكمة، التي تفرض نمطاً معيناً من التفكير والسلوك. وبالطبع، هذا لا يلغي القول بوجود هوامش، ولكن هناك دوماً حركة متسلسلة مركزية، تتمحور حولها التحولات المختلفة. قد يكون لهذه التحولات آثار بعيدة الأمد، وقد لا يكون لها.
- كأنك تتحدَّث عن وجود بنية؟
* دائماً هناك بُنى. والفلسفة أخذتني لتحسس البُنى ولتقصيها.
ليست هناك بنيات معينة تحكَّمت في تاريخ الإسلام
- ما البُنى التي تحكَّمت في تاريخنا الإسلامي والعربي؟
*ليست هناك بنيات معينة تحكَّمت في التاريخ الإسلامي ككل. ولكن إذا نظرنا إلى الفكر العربي في العصور الوسطى - على سبيل المثال -، إن كان فكراً في اللغة، أو في مفهوم الألوهية، أو في الطب، أو في التفكير الفلسفي، لرأينا جملة من القواعد التي تترجم إلى لغات متخصصة، هي لغات هذه العلوم المتشكلة. سواء كان علم الكلام أو أصول الفقه أو الفلسفة. مثلاً، بعض الأمور الحاكمة، مثل مفهوم التعدُّد كنقص، نراه في كل مجالات التفكير. ومفهوم التعدُّد كنقص مضارع أيضاً لمفهوم المادية والزيادة في المادية كنقص. والتعدُّد بمعنى أي شيء هو غير واحد. ومفهوم آخر، هو أن لكل مركَّب عنصر حاكم. نرى هذا في التفكير الفلسفي والفقهي وفي علميْ الأصول، أصول الفقه وأصول الدين، ونراه أيضاً في المجالات الأخرى.
- ولكن أعتقد أن مفهوم التعدد كنقص لا ينطبق على " ابن عربي " مثلاً، فقد كان تصوفه قائماً على جعل الواحد تجلياً متعدداً.
* نعم، تجلٍ وتعدد، ولكن هناك وحدة ناظمة لهذا التجلي، هي الفناء. وهذا نوع من الإزالة التامة لشخصيتنا ولفرديتنا ولإنسانيتنا. بعملية التأله، نصبح جزءاً من مكوِّن واحد أعم هو الذات الإلهية.
- أشك أن هذا ينطبق على ابن عربي. فابن عربي ميَّز بين الذات (الله) وبين الألوهية. وجعل الألوهية هي المتعدِّد الذي يتعدَّد بتعدُّد صفات الإنسان. ولكل صفة من صفات الإنسان، هناك ما يقابلها في العالم الكبير.
* نعم هي متقابلات بين العالم الصغير والعالم الكبير. ولو أخذنا العالم الصغير والعالم الكبير، فإننا نرى أنهما متوازيان، أي أن الواحد يعكس الآخر في مجالات تعدُّد مختلفة. وفكرة العالم الصغير والعالم الكبير ليست فكرة استأثر بها ابن عربي، إنها فكرة بالغة الشيوع في الفكر اليوناني والفكر الإسلامي. ولكن هذا التعدُّد، أو هذا التفصيل بالأحرى، يشي بوحدة بنية، والبنية الواحدة هي الحاكمة.
التاريخ المقارن للأديان وليس الطبري
- مفهوم التاريخ، من أكثر المفهومات إشكالية. وفي كل عصر نعيد فهمنا للتاريخ بشكل أو بآخر.. بعد تجربتك الطويلة، لا بدَّ أنك استطعت أن ترى أن مفهوم الحضارة العربية في التاريخ، متمايز عن مفهوم الحضارات الأخرى في التاريخ. فكيف فهمت هذه الحضارة التاريخ؟
*بحسب أي تاريخ. فهناك تواريخ في الفترة الكلاسيكية من الفكر العربي. وهناك مفهوم للتاريخ على أنه سجل للأحداث مرتبة وفقاً لتسلسل الزمن. وهي غالباً أحداث تتعلق بأخبار الدولة. كما يوجد هناك تاريخ آخر، هو التاريخ الإلهي، أي التاريخ البشري كتجلٍ للإله. والزمن في هذا التاريخ دائري. وهكذا تاريخ صعود وتاريخ هبوط وتاريخ خلق، ونبوة ثم هبوط، ثم نبوة أخرى ثم هبوط، ثم نبوة أخرى وهبوط، ثم نبوة أخيرة هي نبوة محمد، ثم هبوط ونهاية الزمان. وهذا تاريخ دائري بعض الشيء، نبوة يليها سقوط وليس هبوطاً فحسب. وهذه نظرة دائرية إلى التاريخ حيث إن للتاريخ مبتدأ واحد هو الخلق أو السقوط، ومنتهى واحد هو القيامة. ولـ " ابن كثير " كتاب اسمه " البداية والنهاية "، وله ملحق اسمه نهاية البداية والنهاية في الفتن والملاحم. ونقطة النهاية هنا هي رجوع إلى نقطة البداية، وهذا أمرٌ مشهود في كل الأديان التوحيدية من دون استثناء. فالطريقة التي نعالج بها هذا الفهم للتاريخ هي التوسل بالتاريخ المقارن للأديان، وليس قراءة " الطبري " أو ابن كثير أو غيرهما فحسب.
- يقول جوته "إن التاريخ بحاجة إلى من يعيد كتابته من وقت لآخر". كيف نفهم فكرة إعادة كتابة التاريخ في ضوء هذه المقولة؟
* إعادة كتابة التاريخ، هي التوافق مع متطلبات عصر من العصور. وهذه المتطلبات ذات شقين. الشق الأول هو أيديولوجي، وهو ما يتوخاه المؤرخ من التاريخ. والشق الثاني منهجي، أي مع نمو القدرات المنهجية بإمكاننا أن نعيد كتابة التاريخ بشكل أكثر إحكاماً.
- وهل إعادة كتابة التاريخ سوف تحتكم إلى حقيقة التاريخ؟
* أعتقد ذلك، بحيث تكون حقيقة التاريخ ضمن الحدود العقلية المتاحة لنا في هذا العصر للإلمام بالحقيقة. ولكن هناك وسائل متعددة كما ذكرنا، أنثروپولوجية واقتصادية وغيرها، وهي تمكِّننا من التفسير والتعليل.
مجتمعات متخلِّفة أنتجت فكراً حديثاً متخلفاً
- هناك بعض نُقّاد التاريخ، يروِّجون إلى أن سلوك المؤرخ يشبه سلوك المهندس الذي يهندس لنا بيتاً نسكن فيه. فهل يمكن إعادة بناء هذا السكن الذي يشيَّده المؤرخ حسب تطلعاتنا وهوياتنا ومخيلاتنا، وفق فكرة إعادة كتابة التاريخ؟
* هذا هو الشق الأيديولوجي من إعادة كتابة التاريخ. وقد رأينا في العشرين سنة الأخيرة، أن هناك الكثير من الاستعادات لتفسيرات التاريخ، وقد أصبحت بحكم المركزية في الحياة، وخصوصاً في الجانب السياسي. وقد تحدَّثتُ عن الإسلام السياسي وما يصنعه من الماضي. لكنني لا أرى أن هذه الاستعارة خصبة، أعني البيت الذي يشيِّده المؤرخ.
- في أي سياق جاءت قراءتك لـ جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وغيرهما من أعلام عصر النهضة؟
* في البداية لم تكن لديَّ اهتمامات بهذه الأمور. لكنني بحكم الحس بالمسؤولية العامة، توصلت إلى قناعة أنه عليَّ إرجاء العمل في أمور أكثر جدوى، والدخول في هذه الأمور، لأنها متداولة، ولأننا ننسج منها الكثير من الأساطير. ولا أعتقد أنه بالإمكان إيصال فكر علمي قبل أن نعالج شيئاً من هذه الأساطير. إذن الحس بالمسؤولية هو الذي دفعني لقراءة هؤلاء، ولكنني لا أستمتع على الإطلاق بقراءة " الأفغاني "، ولا أستمتع بقراءة " عبده ". وفيما يخص الإصلاح الديني، أُوثر أن أقرأ نصوصاً أكثر جِدِّية وأكثر نضجاً، كتبها بعض أرباب الإصلاح الديني البروتستانتي، ففيها قدَر أقل من التشويش والتدوير وغيره. وأعتقد أن جمال الدين الأفغاني كان مفكراً من الدرجة الرابعة، لكني اضطررتُ لقراءته، وإن كان احترامي لمحمد عبده أكثر بكثير من احترامي للأفغاني.
-ربما يشكل عدم احترامك هذا صدمة للصورة الذهنية التي رسمت لعصر الأفغاني وعبده، باعتباره عصر نهضة يُتحسف الآن عليه.
* كانت فترة بينَ بين. مجتمعات متخلِّفة، أنتجت فكراً حديثاً متخلفاً، أو صيغة متخلِّفة من الفكر الحديث. وهذا شيء طبيعي كان لا بدَّ منه، ولكن كنتُ آمل لو تجاوزنا هذه المرحلة، ولكن مع الأسف لم نتجاوزها.
الماضي لم يكن حبوراً تاماً ولا أخلاقية تامة
- ما الأساطير التي كوَّنها هؤلاء الإحيائيون؟ وما الأساطير التي صنعناها نحن عنهم؟
* هي أساطير وصِيَغ بيانية. أي أنها أساطير على شاكلة صور بيانية، أو صور بيانية على شاكلة أساطير. أحد الأساطير التي صنعناها نحن عنهم هي مقارنة هؤلاء مع كبار المفكرين العالميين. والأساطير التي صنعوها هي فكرة استعادة الأمجاد التي مضت. وهذه هي الأسطورة الرئيسية التي صنعها الأفغاني وعبده. إن محمد عبده كما تعلم قد تراجع عن المواقف التي اتخذها عندما كان شاباً واقعاً تحت الأثر الكاريزماتي الشديد للأفغاني. فأسطورة الاستعادة، وأن المستقبل هو نسخة منقحة عن الماضي، هي أسطورة بالغة الخطورة. والمآل النهائي لها هو إخراجنا عن التاريخ وإغراقنا في الماضي. بالطبع، نحن لا نشك في عظمة الماضي، ولكن الماضي كان عظيماً ومختلطاً. ولم يكن حال من الحبور التام والأخلاقية التامة، كان من هذا وذاك كما كل تواريخ العالم. وعلينا أن نتواضع بعض الشيء. وعندما تَقدَّم الأورپيون، تقدَّموا بأن نظروا إلى الماضي نظرة جمالية من دون أن يتوهموا إمكانية الاستعادة، لأنهم ألمُّوا بالتاريخية. والتاريخية تفيد التحوُّل، على رغم استمرار الأشكال أو استمرار الرموز. والهام في هذه الأمور هو التحوُّل.
- وكيف وجدتَ الكواكبي ؟ هل خضع أيضاً لنفس الخطأ؟
* " عبدالرحمن الكواكبي " فيه من هذا ومن ذاك. ومن الممكن أن يخضع لعدة قراءات. فالقراءة السياسية فيها المحمود وفيها غير المحمود. والقراءة الأيديولوجية هي التى نرى فيها أنه كان متميزاً. ما أقدِّر في الكواكبي هو روحية معينة، ليست بالضرورة روحية استقلالية، ولكن روحية دستورية ومضادة لشكل من أشكال الاستبداد، وهو الشكل العثماني، وليس أشكال الاستبداد جميعاً. ولا أظن أنه كانت لديه مشكلة في استبداد خليفة عربي. ولكن منهج التفكير لدى الكواكبي كان ما يزال قاصراً عن إمكانيات عصره، إن أخذناها كمعيار عالمي وليس فقط كمعيار عربي.
مفكرون لا يتحدَّث الناس عنهم كثيراً
- ولكن البعض يعد هذه المرحلة في الثقافة العربية مرحلة لم تُستكمل. هل بالفعل لم تُستكمل هذه المرحلة أم أن بنيتها لم تكن تنتمي إلى عصر النهضة؟
* لا، كان هناك عصر نهضة. وهناك مفكرون لا يتحدَّث عنهم الناس كثيراً، لأنهم لم يكتبوا في شؤون العقيدة. فمثلاً في اعتقادي أن أهم مفكِّر عربي في القرن التاسع عشر كان " بطرس البستاني "، من دون شك. وكانت منهجية التفكير لديه مطابقة لعصره، وليست متخلفة عن عصره. كما كانت لديه معارف موسوعية لا نظير لها في ذلك الوقت. ولديه برنامج سياسي بالغ الوضوح، وخصوصاً فيما يتعلق بشؤون الدين والسياسة والطائفية. فبطرس البستاني كان رجلاً فذاً، ولكن تعثرنا لأن الكثير منا حاول إدخال نواحي دينية في التفكير النهضوي. وهذا باعتقادي أمرٌ عطَّل الكثير من إمكانيات التقدُّم، وخصوصاً في مصر. فالتفكير التقدُّمي في سورية وإلى حدٍ ما في العراق وتونس وأماكن أخرى، كان مثقلاً إلى درجة أقل بكثير مما كان في مصر، وخصوصاً إمكانيات الترهيب والترويع التي تعرض لها " طه حسين " و "علي عبد الرازق" وغيرهما، لم تكن بنفس الدرجة، لأن الله قد حمى سورية - على سبيل المثال - من مؤسسة كالأزهر.
- في أي سياق تضع محمد بن عبد الوهاب الذي خصصته بكتاب ضمن مجموعة النصوص التراثية التي نشرتها؟
* أولاً، يجب أن ترى هذه المجموعة في إطار مجموعة أكبر وهي نصوص تراثية كثيرة، لـ "عبد الوهاب " و" ابن تيمية " و" الراوندي " وغيرهم، مع مقدِّمات، هي اختيارات لنصوص شاملة لفكر كل شخصية من هذه الشخصيات، مع مقدِّمة تعين القارئ على القراءة الحكيمة، وليس على اجترار النص. أي على القراءة النقدية. فما فحوى سؤالك بالضبط عن محمد بن عبد الوهاب؟ لكي أجيب إجابة دقيقة.
- كمؤرخ كيف تضعه في السياق التاريخي؟
* في اعتقادي أن تناول محمد بن عبد الوهاب للتراث الإسلامي، لم يكن ملماً بالأساليب والمفاهيم الفقهية والأصولية، التي أنتجتها الحضارة العربية عبر قرون عديدة. وهذا يعود إلى حدٍ كبير إلى أنه نشأ في بيئة منزوية ومنعزلة، لم يكن فيها تراث علمي بكل معنى الكلمة. فجاء خطابه في شؤون التراث خطاباً بالغ التبسيط، وغير ملم بوسائل التفكير الفقهية والأصولية. والغريب أن كتابات محمد بن عبد الوهاب، صدرت متزامنة مع عصر الأنوار الأورپي، وشتان ما بين هذا وذاك.
الفترة النبوية والخلافة الراشدة معجزة
- هل نحن بحاجة إلى إصلاح مفهومنا لأول الأمة؟
* أعتقد أن كلامك صحيح. إصلاحنا لمفهومنا لأول الأمة هو ما نتوخاه من البحث التاريخي. إننا نتوخى صورة واقعية. والذي يجب أن يذكره الجميع، هو أن التراث الإسلامي نظر إلى الفترة النبوية وإلى الخلافة الراشدة، على أنها معجزة لا يمكن أن تُستعاد ولا تُكرر. وهذا أمرٌ ينساه من يقول بالعودة إلى سيرة الخلفاء الراشدين. وهناك الكثير ممن كتب عن سِيَر الخلفاء الراشدين، كــ " خليل عبد الكريم " وغيره، لكنهم جوبهوا بعنفٍ لفظي ومعنوي بالغ الشدَّة.
- ما يتعلق بالآداب السلطانية، هي جزء مما كتبه " الماوردي "، وهي أيضاً جزء من تاريخنا، ومن تجربتنا السياسية.
* لا أظن ذلك. وأعتقد أن هذه المفهومات انقرضت منذ أكثر من قرن. وأظن أننا تخلصنا منها، ولكن هناك محاولات لاسترجاعها. وبالطبع، هناك من العشائرية والأموية والتسلط، ولكن هذا التسلط حديث، وهذه العشائرية حديثة.
- إذن هل ما يحدث ليس نتيجة لهذه المرجعية؟
* أنا لا أعتقد ذلك على الإطلاق.
- كيف تجد مشروعك على مستوى الساحة العربية ضمن المشروعات الكبيرة الأخرى، التي تقرأ تاريخنا؟ أين تتقاطع معهم وأين تختلف؟
* إن أردتَ إجابة مختصرة، فإن كلامي يتقاطع بشكل دقيق جداً مع " عبد الله العروي "، وهذا أمرٌ معروف للاثنين، فأنا وعبد الله العروي في خط واحد في هذا المجال. كما أتقاطع في بعض الأمور مع " محمد أركون " وغيره، ولكن التقاطع بمفهومه العام هو تقاطع مع عبد الله العروي.
- ماذا عن خليل عبد الكريم؟
* خليل عبد الكريم يكتب كلاماً تاريخياً موثقاً جيداً، ولكنه ليس منظراً، وبالتالي فإن الفحوى السجالية والسياسية باعتقادي تطغي على كلامه، مع أن في أعماله مادة معرفية بالغة الأهمية، ودليل على عقل بالغ الاستنارة.
- والسيد القمني؟
* أعتقد أن " السيد القمِّي " كانت له منطلقات سليمة قبل أن يتوقف عن الكلام. وهو عموماً يمتلك أدوات البحث العلمية الدقيقة.










من البحرين
تحياتي أخ علي
اشكرك على اتاحة الفرصة لنا بهذا اللقاء وبهذا الخزم العالي من المعلومات...عزيز العظمة..ولو اني بعقليتي المتواضعة املك بعض الآراء المغايرة للكاتب والمؤرخ الكبير...الا ان له كتبا بالفعل تستحق القراءة..
تحياتي