هوامل الديري
مدونة ثقافية مهتمة بنشر الأفكار الشاردة بلا راع
مجازات واشتباكات

كتاب علي الديري "مجازات بها نرى"

عرض‮ - ‬حبيب حيدر
 
كتاب علي الديري
نظر صاحبي‮ ‬للكتاب فقال مستنكراً‮ ''‬مجازات‮'' ‬بهانري‮'' ‬وكرر متسائلا‮: ‬من هذا‮ ''‬بهانري‮'' ‬بعد؟‮ '' ‬ولما أعدت عليه العنوان‮ ''‬مجازات بها نرى‮'' ‬ضحكنا قليلاً‮ ‬وقال صاحبي‮ ‬الآخر هذا ليس‮ ‬غريباً‮ ‬فكل‮ ‬يوم‮ ‬يخرجون علينا باسم جديد،‮ ‬وأضاف‮ ''‬لعل هذا ما دعى لقراءة العنوان بهذا الشكل‮'' ‬وأضفت‮ ''‬لعل له العذر لأن العنوان جاء بخط الحر الكاريكاتيري‮ ‬مع شيء من التحديث الذي‮ ‬ناله فجعله مهندساً‮ ‬بالمسطرة،‮ ‬ففي‮ ‬الأعلى اسم المؤلف الصديق علي‮ ‬أحمد الديري‮ ‬وفي‮ ‬الأسفل لفظة مجازات وفي‮ ‬أسفلها بشكل متواز معها‮ ''‬بها نرى‮'' ‬وكأن الجملة مفردة واحدة مع تقارب الألف والنون وكأنهما متجاورتان في‮ ‬كلمة واحدة‮.‬
ما أردت أن أشير إليه من خلال المقدمة‮ ‬يسير في‮ ‬اتجاهين الأول أن أهمس في‮ ‬أذن المؤلف لأقول له هكذا‮ ‬يتم تلقيك أحياناً،‮ ‬فليست المسألة عند البعض سوى التخندق خلف الأسماء والمصطلحات،‮ ‬والثاني‮ ‬هو أن أهمس للقارئ بأن الزميل علي‮ ‬الديري‮ ‬في‮ ‬هذا الكتاب‮ ‬يسير نحو حالة مختلفة،‮ ‬فليس ثمة ولع هاهنا بالأسماء والشخصيات التي‮ ‬من العادة أن‮ ‬يملأ بها البعض مقالاته لا لترصد مسألة التوثيق وإنما لشيء الإبهار والتشحيم وما‮ ‬يتبعه من بيان زخارة القراءة السابقة،‮ ‬فليس هاهنا في‮ ‬هذا الكتاب سوى تتبع لمسألة اشتغل عليها الديري‮ ‬منذ فترة وحاول أن‮ ‬يقدمها في‮ ‬مقالاته وورش عمله بين الفينة والفينة ويسربها لأكثر من حقل متنقلا بها من قراءة في‮ ‬حقل السياسة إلى قراءة في‮ ‬حقل الأدب إلى قراءة في‮ ‬حقل التربية مختبراً‮ ‬فرضياته ليرى أو ليرينا كيف نفكر بالمجاز،‮ ‬فلنتتبع ما فعله ولنقرأه على مهل لنكتشف‮ ‬غايته وما وصل إليه؛ هل وصل إلى بصيرة ما،‮ ‬هل تحقق من فرضياته،‮ ‬هل وصل إلى مبتغاه،‮ ‬هل هدأت جلجلته أم انتقل بنا إلى جلجلة أبعد،‮ ‬أم تورط بأسئلة لم‮ ‬يستطع النفاذ منها،‮ ‬هل شفى الغليل أم زاد العطش؟‮.    ‬
لعل‮ ''‬كتاب المجازات التي‮ ‬بها نرى‮'' ‬لمؤلفه علي‮ ‬الديري‮ ‬مازال في‮ ‬طريقه إلى القارىء بعد أن قطع الرحلة الناجزة من المؤلف إلى إدارة الثقافة إلى المطبعة حيث‮ ‬يصدر ضمن النشر المشترك بين إدارة الثقافة بوزارة الإعلام والمؤسسة العربية للدراسات والنشر‮. ‬
وقد تصدر الكتاب بمقدمة للدكتور معجب الزهراني‮ ‬أستاذ الأدب المقارن بجامعة الملك سعود بعنوان مقدمة للحوار جاء فيها‮ ''‬إن الكتاب الذي‮ ‬بين أيدينا عمل فكري‮ ‬جريء خلاق‮ ‬يسير في‮ ‬هذا الاتجاه ويشق طريقاً‮ ‬واسعاً‮ ‬إليه‮. ‬إنه‮ ‬يقول لنا‮: ‬قبل أن نفكِّر باللغة‮ ‬يجب أن نفكِّر فيها،‮ ‬وشروط المعرفة الحديثة والفكر الحديث هي‮ ‬التي‮ ‬ستعيننا على تحقيق هذا الهدف،‮ ‬فيما عدا هذا سنظل ضحية ضلالاتنا المعرفية التي‮ ‬تجعلنا نثرثر كثيراً‮ ‬دون أن نقول شيئاً‮ ‬يحقق مصالحنا ويشارك في‮ ‬مكاسب الإنسانية الراهنة،‮ ‬وأضاف من‮ ‬يجرِّب القراءة الحوارية لمقاربات علي‮ ‬الديري‮ ‬لا بدَّ‮ ‬أن‮ ‬يستمتع بها ويتعاطف معها ويتفهمها حتى وإن خالفها في‮ ‬بعض ما تعلنه أو تضمره من آراء ومواقف معرفية أو ايديولوجية،‮ ‬ويكفي‮ ‬هذه القراءة وجاهة أنها قد تغرينا بحوار‮ ‬يتجاوز الكتاب وإن انطلق منه،‮ ‬فحينما نعكس مضمون المتن على العنوان نكتشف أن المجازات التي‮ ‬لا ترينا بقدر ما تعمينا أو تشوش أبصارنا وبصائرنا ربما كانت أكثر من تلك التي‮ ‬بها نرى‮. ‬اللغة إذن ساحرة ماكرة،‮ ‬سواء كانت‮ ''‬حقيقية‮'' ‬أو‮ ''‬مجازية‮''‬،‮ ‬إنها تستعملنا بقدر ما نستعملها،‮ ‬وليس في‮ ‬هذا القول أي‮ ‬تلاعب بالألفاظ‮. ‬علينا إذن أن نتنبه جيداً‮ ‬لما نقول ونكتب لكي‮ ‬يعمل لمصلحتنا لا على الضد منها،‮ ‬ولكي‮ ‬نتثبت من وجاهة لغتنا الخاصة لا بدَّ‮ ‬أن نتساءل عما إذا كانت تعيننا فعلاً‮ ‬على كسب وممارسة المزيد من أشكال حقوقنا في‮ ‬حريات التفكُّر والتخيُّل والتصرُّف بألسنتنا وأجسادنا‮.‬
وقد أشار الديري‮ ''‬إلى أن الفرضية الأساسية التي‮ ‬ينطلق منها هذا الكتاب،‮ ‬هي‮ ‬أن تفكيرنا في‮ ‬المجردات،‮ ‬ليس مجرداً،‮ ‬بل مُجَسَّدا،‮ ‬من خلال التشبيهات والاستعارات والقصص والكنايات والنكات والأمثال‮ (‬المجازات‮)‬،‮ ‬بهذه المجازات نتخيل ونتوقع ونستنتج ونقرر ونفهم ونفسِّر ونقنع ونقتنع ونحاجج‮''.‬
وأشار إلى أن التفكير المجازي‮ ‬تفكير نسبي،‮ ‬إذ المجاز هو رؤية شيء من خلال شيء آخر،‮ ‬أي‮ ‬أنك لا‮ ‬يمكن أن ترى شيئاً‮ ‬إلاّ‮ ‬بنسبته إلى شيء آخر،‮ ‬والشيء الآخر لا‮ ‬يمكنه أن‮ ‬يريك إلاّ‮ ‬جانباً‮ ‬واحداً،‮ ‬فهو ليس مطلقاً‮ ‬بل محدوداً،‮ ‬الإنسان كائن منسوب العلاقة أو نسبي‮ ‬العلاقة،‮ ‬أي‮ ‬لا‮ ‬يكف عن تعدُّد نسبته إلى الأشياء،‮ ‬ينسب ذاته إلى المألوف ليفهم الغريب،‮ ‬وإلى المعروف ليعرف المجهول،‮ ‬وإلى الشاهد ليصل إلى الغائب،‮ ‬وإلى المشهور ليعرف الشاذ،‮ ‬وإلى الظاهر ليعرف الباطن،‮ ‬وإلى المكشوف ليعرف المستور،‮ ‬ومن ثَمَّ‮ ‬،‮ ‬فالإنسان‮ ‬يتوقع ويفهم ويفسر ويقرر ويتخيل ويستبصر ويستنتج ويتأمل عبر المجازات ونسبها‮. ‬فالمجازات تمنحه القدرة على التصرف والتوسع والتخيل،‮ ‬ليشيد صورة مركبة لا مبسطة لما‮ ‬يحدث في‮ ‬واقعه،‮ ‬إنَّ‮ ‬تغير مفاهيم الإنسان للحقيقة والوجود والذات والآخر والعالم والتجربة واللغة والعقل،‮ ‬يتمُّ‮ ‬عبر تغير مجازاته التي‮ ‬بها‮ ‬يتمثل هذه المفاهيم‮''‬
وقد تناول الكاتب باستفاضة في‮ ‬دراستة هذه مجموعة المجازات،‮ ‬وهي‮ ‬مجازات العبور،‮ ‬المجاز والإنسان،‮ ‬مجازات الشك،‮ ‬مجازات النسبة،‮ ‬مجازات الخطاب السياسي،‮ ‬مجازات التفكير الأعوج،‮ ‬مجازات السم،‮ ‬مجازات الدرَّة المصونة،‮ ‬مجازات مسار الشمس،‮ ‬مجازات الظلال،‮ ‬مجازات الصورة،‮ ‬مجازات المعرفة المحبة‮.‬
وفي‮ ‬مجازات العبور أشار الكاتب إلى الفكرة القائلة أن المجاز ما هو إلاّ‮ ‬وسليلة نعبر بها من المفردة الصورية إلى الفكرة وذلك من خلال الانتقال من التشبيهات والاستعارات والقصص والكنايات والنكات والأمثال إلى ما نريد بما‮ ‬يمنحنا هذا العبور من اتساع حيث التعبير بطلاقة وأصالة ومرونة،‮ ‬وفي‮ ‬المجاز والإنسان حاول الكاتب قراءة التفكير النقدي‮ ‬والمعرفي‮ ‬الذي‮ ‬دار حول موضوع المجاز وعلاقته بالإنسان مستفيداً‮ ‬من إشارات التراث العربي‮ ‬إلى إضافات العلوم الإنسانية والفلسفية حديثا‮. ‬وقد احتوى الكتاب على قراءات مختلفة متخذاً‮ ‬من المجاز مدخلاً‮ ‬للعبور إليها‮.‬


(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية