هوامل الديري
مدونة ثقافية مهتمة بنشر الأفكار الشاردة بلا راع
مربية المربين

"من يتكلم عن التربية التي تجعل من الإنسان الحيواني إنساناً إنسانياً أو التي تفتح عين الفرد على الغاية التي من أجلها يعيش، يتكلم حتماً عن الدولة. كل مربٍ لا بد له من مربٍ والدولة هي مربية المربين... التربية تعني فقط الاستعداد لإبدال دولة بدولة"([i])

التربية بهذا المعنى عمل سياسي، ومن يربي، فإنه يربي استعداداً لإبدال دولة بدولة، ومحاولة لإبدال الحيواني بالإنساني، إذن تربية الحيوان في الفرد لتصييره إنساناً، عملية دولوية (من دولة). وهي بهذا الفعل الخطير عملية سياسية، إذ ليس هناك أكثر سياسة وخطورة من أن ننشئ دولة بدل دولة.

الإبدال هنا يحمل معنيين الأول بمعنى التغيير، والثاني بمعنى النموذج الإرشادي الذي نفكر من خلاله البراديقم(paradigm)، الإبدال عملية سياسية تقع في قلب الدولة، وليس أكثر من التربية قدرة على قلب الدولة، إنها الجهاز المحرك لجسدها كله.

الدولة هي الإبدال التربوي، ويتحدد عبر نمط هذا الإبدال نوع الدولة التي ننشئها والنظرة التي نراها بها. إبدالات الدولة، هي النماذج الإرشادية التي نفهم من خلالها الدولة، وبحسب هذه النماذج تتمايز الدول، الدولة التسلطية، الدولة الإسلامية، دولة الخلافة، دولة السياسة الشرعية، دولة الأحكام السلطانية، الدولة الوطنية، الدولة القطرية.

ما هي الدولة؟ وما هي الأفعال التي تدل على بناء الدولة؟

هي التكلم عن التربية، هي عملية تجعل من الإنسان الحيواني إنساناً إنسانياً، هي فتح عين الفرد على الغاية التي من أجلها يعيش، هي الاستعداد لإبدال دولة بدولة، هي مربية المربين. والأفعال المشتقة منها هذه التعريفات هي التي تدل على بناء الدولة.

إلا ان أفعال هذه التعريفات لا تقع في نطاق الدولة إلا حين تنشئ جماعة تعيش ضمن إبدال مشترك، بمعنى أن الإبدال (إبدال دولة بدولة) لا يقوم به فرد، وإنما أفراد، وباشتراكهم في هذا الإبدال تنشأ الدولة، الدولة جماعة لا فرد.

"يبدأ التفكير في الدولة عندما نفكر في مقتضيات الإرادة الجماعية"([ii]) أحد هذه المقتضيات، هي أن تكون التربية هي تربية جماعية، وهي تقتضي أن يفقد الفرد حريته الفردية وإرادته الفردية وعقله الفردي ومشاعره الفردية وعيشه الفردي وملكيته الفردية، وهنا تتفاوت تجارب الدول في إدارة هذا الاقتضاء بتفاوت عقلانيتها وتربيتها، ويتفاوت فهمها لمعنى الدولة بتفاوت كيفية هذه الإدارة.

"وذلك أنه ليس كل أحد مالكَ أمر نفسه، إذ الرؤساء والأمراء المالكون لأمر الناس قليل بالنسبة إلى غيرهم؛ فمن الغالب أن يكونَ الإنسانُ في مَلَكة غيره ولابدَّ"([iii])

أن يكونَ الإنسانُ في مَلَكة غيره ولابدَّ، يعني أن يكون في دولة، في سلطة، في مؤسسة المؤسسات، في مربية المربين، في مقتضيات الإرادة الجماعية، في هذه المَلَكة (الدولة) تتحدد حريته، فـ "تجربة الحرية تحمل في طياتها تجربة الدولة... والتفكير في الحرية هو بالأساس تفكير في الدولة والمجتمع"([iv])متى كانت هذه الملكة ملكة (الأول بين متساوين) صارت حريته مرهونة بشخص هذا الأول، وصارت مهمة مربية المربين (الدولة) تنحصر في تربية إرادة جماعية تعي حاجتها في نقصها إلى هذا الأول وعوزها له. التربية هي تربية للأول لصالحه ولغايته ولمصلحته ولحاجته، وتربية المواطنة في دولة (الأول بين متساوين)، هي في حقيقتها تربية تعمق في الإرادة الجماعية وعي نقصها للأول وملكته. الحاجة التي تسدها هذه التربية هي الوعي بنقص المتساوين إلى الأول.

يدرس هيجل التطوُّر التاريخي للمجتمعات وفق مقولته "الحاجة وعي النقص"([v]) أي لا تكون الحرية حاجة إلا حين نعي نقصنا لها، وعي النقص بالحرية يعني الحاجة إلى الحرية، متى انتفَ الوعي بنقصها انتفت الحاجة إليها، تظل الحاجة إلى الحرية ما دام هناك وعي بها، وكل عصر وكل تاريخ يتشكَّل وفق هذا الوعي بالنقص، وكأن التطوُّر التاريخي يكون هكذا سدّ حاجة يعقبها وضع جديد، ينشأ فيه وعي بنقص آخر يتحوَّل إلى حاجة يتمّ البحث عن سدّها([vi]).

 الدولة جهاز تأديبي، يؤدب حاجتنا الطبيعية بثقافته التي تحدد حجم الجرعات التي يحتاجها الفرد من كل شيء، وبهذا التأديب أو التثقيف يتم ضبط الفرد في (ملكة غيره = الأول) وتربيته وتوجيهه. وفي دولة الأول بين متساوين تتحدد قوة الدولة بقوة جهازها التأديبي، بل إنها تفهم قوتها بمدى تطابقها مع المعنى القاموسي للدولة الذي يدل على القهر والتصرف الحر في بيت المال. الدولة آلة القهر والغلبة والاستقلال بالملذات والمفاخر. وتعني مدة استيلاء جماعة مخصوصة على السلطة والمال([vii]).

الدولة في تجربتنا العربية، لا تفعل شيئاً غير إعادة إنتاج هذا المعنى القاموسي في إبدالات تربوية مختلفة، تختلف الجماعة المخصوصة التي تستولي على السلطة، وتتفاوت مددها، لكنها تظل وفيةً لهذا المعنى وهكذا تظل مربية المربين تمارس دور قاهرة القاهرين وغالبة الغالبين. وهذا ما يجعل الحرية في تجربتنا ليس محاولة لإصلاح الدولة بل لإبدالها، والإبدال ليس في فهم نظرية الدولة بل في الجماعة التي تستولي مدة على الدولة. إبدال العقلانية والتربية في تجربة الدولة عندنا هو إبدال بمعنى سقوط الجماعة المستولية على الدولة، كما يسقط الإنسان بعد اكتمال نضجه واستوائه، وليس بمعنى تغيير النموذج الذي نفهم من خلاله الدولة.لذلك ما زلنا نرجع لنموذج جسد الإنسان عند ابن خلدون في فهم الدولة، فهو الأكثر قدرة على تفسير دولتنا.

تبقى العقلانية عقلانية الجهاز (الجسد) الذي يقهر ويغلب، لا عقلانية التربية. العقلانية ليست تجربة في التفكير لابتكار صيغة تجعل من الحرية تجربة في الدولة لا ضد الدولة، بل العقلانية تمارس وكأنها دهاء واحتيال في ابتكار صيغ الوهم بالحرية أو صيغ الوهم بعدم الحاجة إلى الحرية أو الحاجة المقننة أو الحاجة المؤممة. وهنا لن تخذلنا التربية في ابتكار ذرائع دينية وسياسية واجتماعية لإنتاج هذه الأوهام.



[i]) مفهوم الدولة، عبدالله العروي، ص19.

[ii]) مفهوم الدولة، عبدالله العروي، ص20.

[iii]) مقدمة ابن خلدون، ص119

[iv]) مفهوم الدولة، عبدالله العروي، ص145.

[v]) انظر: المجتمع المدني، عزمي بشارة ، ص75 .

[vi]) انظر: مجازات بها نرى: كيف نفكر بالمجاز؟، علي الديري، ص79 .

[vii])مفهوم الدولة، عبدالله العروي، ص129،115.

(1) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 21 يونيو, 2006 01:32 م , من قبل مايا
من فلسطين

ما الذي يدفع إلى تحويل الأنسان الحيواني إلى إنسان إنساني وما هي الحاجة إلى التربية سوى تحويل الفطري واللواعي إلى واعي ولا فطري تحويل الغير قابل للتفسير الكوني إلى علاقات مهمشة قابلة للتفكيك والتكسر اللعنة على مربية المربيين وعلى المربين أنفسهم



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية