في المعاجم القانونية والاجتماعية والسياسية، الدولة هي مجموع المؤسسات والإدارات التي من خلالها يمارس نظام حكم ما سلطته على أهل البلد في إطار بقعة جغرافية محددة. الشكل الخارجي يقوم على أن الدولة تتألف من عناصر ثلاثة هي: الإقليم (المرتبط بمفهوم السيادة) والشعب (المرتبط بولائه لهذه الدولة) والسلطة (القائمة على أجهزة تنظم أوجه الحياة كافة وتؤمن بعض الخدمات للمواطنين) ([1]).
الدولة الحديثة هي مؤسسة المؤسسات، وبحسب تلوين النظام السياسي الذي يحكم هذا البلد، يأتي تلوين المؤسسات. لكن الدولة قبل أن تكون مجموعة مؤسسات، هي كما يعرفها المفكر المغربي عبدالله العروي "عقلانية واجتماع" أي أن الدولة هي الشكل الأسمى لعقلانية المجتمع.
و بحسب عقلانية المجتمع الفرنسي الثائر في 1789م أتت فكرة الدولة الحديثة.
العقلانية إذن هي التي تحكم، هي التي تحكم الدولة، وهي التي تحكم على الدولة، وهي التي تحاكم عليها الدولة، أي وفق معايير العقلانية يمكننا أن نحاكم الدولة، ومساءلة الدولة هي مساءلة عقلانيتها.
وبحسب الفلسفة اليونانية والإسلامية، فإن عقلانية الدولة هي عقلانية العقل العملي لا العقل النظري، والعقل العملي عقل لا يحكم بالصح والخطأ والصدق والكذب والحقيقي والباطل كما هو أمر العقل النظري، إنما يحكم بالجيد والأحسن والأفضل والأنسب، بمعنى أن معايير الحكم على الدولة ليست هي معايير الصح والخطأ والصدق والكذب، بل هي معايير الأفضل والأنسب والأحسن. وهي معايير تدول كما الدولة تدول، أي تتغير وتتحول وتنتقل وتُبلى.
وهذا يعني ليس هناك دولة نظرياً ولا عملياً فضلى. لا دولة اليونان، ولا دولة الخلافة الراشدة، ولا دولة الإمام علي، ولا جمهورية أفلاطون، ولا دولة المهدي، ولا دولة البحرين ولا مملكة البحرين، ولا الدولة الإسلامية ولا الدولة القطرية، ولا الدولة القومية ولا الإمبراطورية، ولا الجمهورية الإسلامية، ولا الدولة العلمانية.
ولا الرايخ الثالث الذي أطلقته النازية على ألمانيا فترة ولادة الحزب النازي الألماني بقيادة "ادولف هتلر" وهو"رايخ الألف سنة"، كما أحب مؤسسه (أدولف هتلر) ان يسمّية، كناية عن صلاحية ومتانة حزب أدولف هتلر الذي سيعمّر 1000 سنة ولا الجمهورية الثالثة التي أصبحت فيها فرنسا تملك امبراطورية استعمارية واسعة تمتد من إفريقيا إلى آسيا.ولا ولا الجمهورية الخامسة التي أصبح فيه لفرنساعام 1958 نظام رئاسي ديمقراطي ينتخب فيه الرئيس من قبل الشعب و يتمتع بصلاحيات أكبر.
تمثل كل دولة من هذه الدول تجربة لعقلانيتنا التي ندير بها اجتماعنا الإنساني، وهي تجربة تصل إلى حد الجنون الذي لا يمكن أن ننكر عقلانيته مادام قد شكَّل دولة في التاريخ. ربط الدولة بالعقلانية يجعل منها تجربة قابلة للترشيد والتدويل، والترشيد لا يعني أن الدولة التالية أكثر نضجاً ورشدا من الدولة السابقة، بقدر ما يعني أننا سنكون أكثر رشدا بفكرة الدولة نفسها وعقلانيتها النسبية وجنونها المحتمل، والتدويل لا يعني سقوط دولة وقيام دولة مكانها كما هو أمر الدول التي أرخ لعمرانها ابن خلدون، بقدر ما يعني أن معايير الدولة العقلانية تبلى وتدول وتحل محلها تصورات عقلانية جديدة للدولة.
من هنا علينا أن نفهم الشكل الخارجي للدولة بعناصره الثلاثة الإقليم (المرتبط بمفهوم السيادة) والشعب (المرتبط بولائه لهذه الدولة) والسلطة (القائمة على أجهزة تنظم أوجه الحياة كافة وتؤمن بعض الخدمات للمواطنين). فهماً عقلانياً يجعلنا نحاكم الدولة بغايتها القصوى وهي الحرية، كما يقول سبينوزا "إن الغاية القصوى من تأسيس الدولة ليست السيادة، أو إرهاب الناس، أو جعلهم يقعون تحت نير الآخرين، بل هي تحرير الإنسان من الخوف... فالحرية هي إذن الغاية الحقيقية من قيام الدولة"([2]).
السيادة على الأرض، لا تصنع وحدها دولة، فالدولة اجتماع إنساني وعقلاني، والإنسان إذا فقد السيادة على عقله بأن يجعله مرجعيته في إدارة شؤونه، لا يمكنه أن يقيم اجتماعاً في مستوى الدولة، فالسيادة على الأرض بدون عقل يحرر روح الإنسان، يصنع جماعة بسيطة لا مجتمعاً مركباً، والدولة بما هي مؤسسة المؤسسات نظام مركب، فائق التركيب.
الدولة وفق استراتيجية (الأول بين متساوين) ([3]). تقوم على سلطة بسيطة الأول فيها يهيمن على متساوين في دنوهم أمامه لا أمام القانون. في حين أن الدولة تقوم على نظام مركب، الجميع متساوون أمام مؤسسات القانون. في الدولة العقلانية الأول هو القانون لا الشخص.
في التركيب نحتاج إلى عقلانية فائقة، وفي التبسيط نحتاج إلى هيمنة فائقة. بالتبسيط نهيمن وبالتركيب نعقلن.عقلانية عناصر الدولة الثلاثة مهددة دوما بهيمنة الأول، متى هيمن الأول فقدت الدولة أرضها وصارت أرض للأول، وفقدت ولاءها وصار ولاء للأول، وفقدت سلطتها وصارت تسلطاً للأول.
سيادة الأول/ الشخص تجعل من الشعب أرضا مستوية ويتحول الولاء من الولاء إلى الأرض ومؤسسة مؤسساتها (= الدولة) إلى الولاء إلى الأول الذي هو أبو الأرض وأبو مؤسستها وأبو مؤسسة مؤسساتها. بهذه السيادة يكون الولاء إلى الأب رب العائلة.
والسلطة هنا لا تنظم أوجه الحياة، بل تنظم أوجه الهيمنة على الحياة، وتؤمن مواطنين مؤمنين بالأب وسلطته المطلقة، إنهم الموالون.
العقلانية التي يسود بها الأول لا تصنع دولة، ولا اجتماعاً، لأنها تربط الإنسان عمودياً (نسبه ودمه وتاريخه وعصبته وطائفته وقبيلته) لا أفقياً ( أفكاره وجمعيته وحزبه ومهنته وبرنامجه واتجاهه وتياره). إنها عقلانية التشطير العمودي، وهذه العقلانية لا تنجز دولة.
باسم السيادة، ينجز الأول هيمنته على كل شيء في الدولة، ويسلب منها كل شيء، إنها السيادة المطلقة، والدولة علاقة اجتماع منسوبة إلى أرض وشعب وسلطة، واليوم تتسع نسبتها إلى الحد الذي يفقدها هيمنتها حتى على الأرض. لذلك فالسيادة المطلقة لا تنشئ دولة، بل تنشئ دكتاتورية، السيادة المنسوبة سيادة نسبية، لأنها تتحدد ليس بالأول كما هو أمر السيادة المطلقة، بل تتحدد بالاجتماع (الشعب) ومؤسساته المركبة.
وفق استراتيجية (الأول بين متساوين) الدولة ليست عقلانية المجتمع، بل هي مصلحة الأول وسلطة الأول وسيادة الأول وعقل الأول واجتماع العناصر الثلاثة في الأول وتجليه فيها.
[1]) معجم المصطلحات الاجتماعية، فريدرك معتوق، ص322.
[2]) معجم المصطلحات والشواهد، جلال الدين سعيد، ص194.
[3])انظر مقال "الأول بين متساوين"، صحيفة الوقت، 7يونيو2006








