هوامل الديري
مدونة ثقافية مهتمة بنشر الأفكار الشاردة بلا راع
تقبيل المجلس

"تستعمل كلمة مجلس في المجتمع البحريني، للدلالة على الغرفة الواسعة الأرجاء في المنزل حيث يجلس الضيوف، وتعقد الاجتماعات، كما تعني مجموعة الرجال أو المستشارين الذين يشاركون معاً في مثل هذه الاجتماعات، وتختلف أهمية المجلس السياسية والاجتماعية وفقاً لمنزلة العائلة ونفوذ صاحب البيت"([i]).

يبدو هذا التعريف للوهلة الأولى، كما ولو أنه معدّ لدليل سياحي، يعرِّف بتراث البلد وثقافته وتقاليده. غير أنه على خلاف ما يبدو، فهذه الغرفة الواسعة الأرجاء، تشكِّل مفصلاً من مفاصل جسد الدولة. ذلك أن المجلس ليس مجرد غرفة، بل قوة نافذة، فحيث يكون الاجتماع تكون القوة، والرجال والمستشارون، يعقدون الاجتماعات بقدر ما يعقدون روابط القوة. وتجد هذه الروابط في العصبية القبلية قوتها وشوكتها العظمى كما يخبر ابن خلدون، لذلك وفق منزلة العائلة/القبيلة يكون النفوذ/القوة. منزلتها تحدد بمدى ما تتوفر عليه من عصبية.

        النفوذ هو القوة، والقوة هي الجسد الذي به تكون الدولة. كان جسد الدولة يعقد في هذه المجالس، علينا إذن أن نفهم الدولة وتاريخ تشكلها، وما بقي يعمل فيها حتى الآن من خلال هذه المجالس. "يتجلى تنظيم السلطة في البحرين قبل إدخال النظام البيروقراطي عليه وقبل إنتاج النفط  وتصنيعه في مؤسستين أساسيتين: المجالس القبلية والمحاكم الشرعية أي القضاء"([ii]).

ما المواضيع التي كان يتداول فيها الرجال والمستشارون في هذه المجالس؟

"أما المواضيع التي كانت تناقش فكانت تشمل تاريخ القبائل، مسائل الدين، القضاء والعدالة، المعاهدات مع القوى الأجنبية، المصاهرات ذات الأهمية السياسية، بناء السفن، إنتاج اللؤلؤ، زراعة النخيل، إنتاج التمور، التجارة، الأسواق، الأسعار، الأجور، أحوال الطقس، أو أي مشكلة أخرى تطرح نفسها تلقائيا على الحضور"([iii]).  

تتمثل منزلة مجلس القبيلة في قوته التي بها يُعقد، وبها يُحل، وبها يختم هذه الموضوعات، وفق عُرف القبيلة. ما يضعف من تمكن عُرف القبيلة من أن يحكم هذه الموضوعات يعتبر مهدداً للقبيلة ومجلسها ومصالحها وقوتها. لم يكن عُرف القبيلة يريد لأي قوة أخرى أن تعقد موضوعاته أو تحلها.

 لذلك حين جاءت الإصلاحات الإدارية في العشرينيات بالبيروقراطية، التي هي بحسب عالم الاجتماع ماكس فيبر "تنظيم يؤمن الدقة والسرعة والثبات وسهولة الوصول إلى السجلات والاستمرارية والسرية الممكنة والوحدة والتعاون الشديد والحد من أسباب الاحتكاك وتقليل النفقات وعدد الموظفين"([iv]). وجد العُرف القبلي في هذا التنظيم الذي سيتولى عقد وحل الموضوعات التي كان تتداول في مجلس القبيلة بقوة أخرى غير قوة عصبية القبيلة، تهديداً  لقوته (قوة العُرف القبلي).

العُرف القبلي كان جسد الدولة، فإذا كانت الدولة تقوم على العصبية، أي عصبية الدم والنسب، فإن العُرف القبلي قد منح هذا الجسد قوة لا ليكون دولة، بل ليكون قبيلة تدير هذا الجسد في مجلسها. كانت البيروقراطية تريد لهذا الجسد أن يكون دولة تستمد قوتها من القانون. كان أمام البيروقراطية البريطانية وإصلاحاتها الإدارية مهمة شاقة، وهي تنظيم هذا الجسد تنظيماً يؤمن الدقة والسرعة والثبات والتعاون والسرية والوحدة. وهذا يعني أن يخضع هذا الجسد لقانون عام يكون بمثابة القوة التي تدير هذا الجسد الذي تتناهبه قوى المجالس القبلية، بأعرافها المسيطرة على الطرق التجارية والداخلية والتحكم بمصائد اللؤلؤ. ولدينا مجموعة حوادث هنا شديدة الدلالة على المشقة التي واجهها مشروع تحويل الإمارة إلى سلطة مركزية بيروقراطية.

 ففي 19 يونيو1923 أقدمت إحدى القبائل على ضرب بعض بحارة القرى المؤيدين للإصلاحات، قرب "خور فشت" حيث كانوا يملأون جرابهم بالماء العذب، استعداداً للذهاب إلى منطقة الهيرات لصيد اللؤلؤ. وفي السنة نفسها تعرضت القرى المؤيدة للإصلاحات والتي عانت الأمرّين من عُرف مجالس القبائل، لأعمال قتل ونهب وسلب. مثلت هذه الأحداث تحدياً للبيروقراطية البريطانية وإصلاحاتها وللحاكم الذي كان منوطاً به تنفيذها. صار الأمر بين الخضوع لعُرف مجلس القبيلة أو اللجوء إلى المحكمة للحكم في هذه الأحداث. لم يكن خيار تقبيل المحكمة، أي مد نفوذ القبيلة إلى المحكمة، لتكون محكمة قبلية، مطروحاً بعد في ذلك الوقت. هكذا، دوماً مشروع الإصلاح يصطدم بعُرف المجلس القبلي، كيف كان يرى هذا العُرف الدولة؟

" فسَّر رجال القبائل المساواة أمام القانون فيما يتعلق بالضرائب والقضاء كما تقره الإصلاحات، ضرباَ من ضروب الخضوع لقوة عظمى (القبيلة البريطانية) كما كانوا يسمونها في مجالسهم الخاصة، وهم الذين رفضوا الخضوع لآل خليفة سابقاً"([v])  

القبائل لم تكن ترى بريطانيا دولة عظمى بل قبيلة عظمى. فلم تكن هذه القبائل تفهم معنى الدولة، لذلك لم تفهم معنى الإصلاحات الإدارية التي كانت تريد تأسيس سلطة مركزية تقوم على البيروقراطية، بغير منطق العُرف القَبَلي الذي لا يقبل بفكرة خضوع القبيلة لقوة خارج عنها، حتى القانون في عرفهم قبيلة تريد إخضاعهم وإخضاع عُرفهم، لذلك لم يكن العُرف القبلي يعارض بريطانيا، بل كان يعارض القبيلة البريطانية.

" كانت المجالس القبلية حيث تتخذ القرارات، تهتم بإدارة الموارد أكثر من اهتمامها بشؤون الناس الشخصية والاجتماعية – هذه الأمور التي كانت من اختصاص الفقهاء الدينيين"([vi])  

        لم يكن هذا العُرف يعرف معنى الأرض التي هي شرط الدولة. كان يرى الأرض إقطاعية لا جغرافيا لها سيادتها باسم القانون الذي يجعلها وطناً. الأرض مورد اقتصادي مقطوع لقبيلة وفق عُرف مجلس القبيلة، ولا يجوز لقبيلة أخرى أن تنازع هذه القبيلة في هذا المورد، وليس للقانون أن يُخضع هذه الأرض/المورد لسلطته، فلا سلطة لقوة أعظم من القبيلة على أرضها المقطوعة لها. الأرض ليست وطناً، والدفاع عنها ليس وطنية، بل هي قطعة والدفاع عنها إقطاعاً.

حين يتساوى الجميع أمام القانون، فإنه تتساوى أراضيهم وبحارهم أمام القانون، وتتساوى مجالسهم القبلية أمام القانون، وتتساوى موارد القبيلة. سيادة الدولة وقانونها، كان يعني سيادة قبيلة عظمى، هكذا كان يُفهم العُرف القبلي.

الموضوعات التي كان يعقدها ويحلها عُرف القبيلة، صار يتداولها مجلس الدولة لا مجلس القبيلة ويحكم فيها بقانونه. لا يمكن أن يقبل هذا العُرف أن يحكم موضوعات مجلسه قانون الدولة الذي تتساوى أمامه الدماء والأنساب. على هذا العُرف أن يبتكر له صيغاً أخرى تحتال على مجلس الدولة، وبهذه الصيغ المواربة سيضمن استمرار بقائه وعمله وبهذا سيتم تقبيل الدولة.

أظن أن علينا الآن أن نفهم فلتة النائب البرلماني علي مطر، على أنها فلتة لسان، لكنها ليست فلتة تاريخ.



[i] ) القبيلة والدولة في البحرين، فؤاد إسحاق خوري، ص60.

[ii] ) المرجع نفسه، ص59.

[iii] ) المرجع نفسه، ص60.

[iv] ) المرجع نفسه، ص133.

[v] ) المرجع نفسه، ص145.

[vi] ) المرجع نفسه، ص61.

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية