"السياسي ليس منسجماً مع الفني،لأن السياسي، من أجل أن يبرهن، يتعين عليه أن يكون أحادي الجانب ومتحيزا"([1])
السياسي ينسجم مع توقعات السلطة التي يمثلها، وأفقها، والسلطة لا تنسجم مع الفني، لكنها تحتويه. السياسي ينسجم مع السائد والأكثرية والنافع واليومي والمستقر، إنه ينسجم مع ما يُمكّنه من أن يعزز من حكم سلطته.
الفني أو المثقف (على جهة أن فعله فني) ينسجم مع توقعات الهامش المنفلت من إحكام السلطة، ينسجم مع ما هو عارض وأقلي و متحرك وغير يومي، إنه ينسجم مع ما يُمكّنه من أن يخلخل السلطة.
السياسي يدير المعنى العام المشترك، وينطق باسمه، ويتحرك ضمن ممره الضيق، وممكنه المعدود والمحدود. والمثقف يبتكر المعنى الخاص ويعارض العام والمشترك، وينطق بشخصه.
السياسي ناطق بالشامل، لذلك فهو رجل الشوامل رجل الجماعة، والمثقف ناطق بالهامل، لذلك فهو رجل الهوامل رجل الفرد. السياسي لا يغير ثقافة المجتمع، بل يستثمرها ويؤكد شموليتها له ولجماعته، والمثقف يهدد ثبات ثقافة المجتمع بل ويعارضها. السياسي يمكن أن يكون معارضا للسلطة السياسية أو متواطئ معها، لكن المثقف لا يمكن أن يكون إلا معارضا للسلطة في كل تجلياتها.
أحادية السياسي تتمثل في دفاعه عن الواحد، وانحيازه لجماعته، السياسي لا يمكنه أن يكون لأكثر من جهة، لذلك هو وحيد الجهة وحيد الرؤية وحيد المعنى.
تعددية المثقف تتمثل في دفاعه عن التعدد، وانحيازه للشخص وتكثيره للمعنى، وانفتاحه على كل الجهات.
"السياسي هو الرجل العام رجل الدولة وإنه المدبر المسؤول عما يفعل أمام سائليه/مواطنيه.." ([2])
السياسي مسؤول أمام العام، والمثقف سائل للعام وللدولة، وهو محكوم بسائليه ومواطنيه وممثليه، والمثقف محكوم بفعل الحرية فقط.
السياسي يشتغل ضمن سلطة ولصالح سلطة وفي أفق سلطة، السياسي رجل حكم، والمثقف رجل حكمة (فلسفة). رجل الحكم رجل سلطة ونفوذ وهيمنة، ورجل الحكمة رجل رؤية وتبصر وفتح وحرية.
السياسي يبرهن بالتفكير الأعوج، وبقدر ما تكون أحاديته وتحيزه، يكون اعوجاجه. وبقدر ما يحيل إلى الأرقام والأمثلة ويفرط في استخدام البدهيات والمسلمات والضروريات، يزداد برهانه اعوجاجا، إذ إن البرهان السياسي، نتيجته تسبق دليله وتاليه يسبق مقدمته. برهانه مهموم بالتصديق على حقائقه المستقرة المتحيز لها، البرهان يكون صحيحاً حين يدعم حقائقه الأحادية، ويثبت مواقفه المنحازة.
المثقف ليس مشغولاً بالبرهان، قدر انشغاله بالرؤية، لأنه ليس مهموماً بالتصديق على موقف والدفاع عن ثابت، هو مهموم بفتح أفق للحياة يرى من خلالها الشخص، ويكون نور هذه الرؤية برهان الشخص الخاص. برهان المثقف منحاز للشخص، وبرهان السياسي منحاز للجماعة، والجماعة تقوم على السابق، والشخص يقوم على اللاحق. السابق محكوم بالنص المقيد، واللاحق مفتوح على الفعل الحر.
السياسي صفته الجبن، حتى لو صرخ في وجه السلطان، لأنه لا يمكنه أن يصرخ بالحقيقة في وجه جمهوره، حين يصرخ في وجههم لا يعود سياسياً لأنه سيكون قد فقد الوجه الذي به يسوس، لذلك السياسي يحتمي وراء مثل هذه العبارات " يقال، يشيع، شاع بين الناس، الناس يقولون، هناك إشاعة تقول، سمعنا كذا، وهذا احتماء وراء الناس وتجنب المواجهة"([3]) إنها دروع السياسي التي يحتمي وراءها جبنه.
المثقف صفته الشجاعة، فهو ينطق بالحقيقة في وجه التاريخ، ولا يحتمي بالناس، بل إن صفة المثقف تتمكن فيه أكثر حين يفقد الناس أكثر، لأنه ليس قائماً فيما يشيع بين الناس، بل فيما يشذ عن الناس، فهو يُسائل هذا الذي يشيع ويستنطقه ويبطل قوته وسلطته. إنه يتدرع بأسئلته وشخصه ضد دروع السياسي وناسه.
لا يفقد السياسي معناه حين يقال له: إنك كذاب. لكن يفقد المثقف صفته حين يكذب. والمثقف لا يكذب حين لا يقول الحقيقية، بل حين لا يقول طرقها المتعددة. أما السياسي فإنه يكذب حتى حين يغطي الحقيقة بأقوال حقيقية. حقيقة السياسي تقال لمرة واحدة فقط، لأنها أحادية، وحقيقة المثقف تقال مرات ومرات، وفي كل مرة تكشف وجهاً جديداً، لأنها متعددة.
السياسي يشتغل في (فن الممكن) لكنه لا يشتغل في هذا الفن بفن، الممكن دائماً فن، لأنه مفتوح على الاحتمال واللعب والتوقع والتخيل والابتكار. السياسي، لا يجيد اللعب في الممكن بفن، لأن ممكناته محدودة العدد، ويمكن إحصاؤها، فهو إما أن يشارك في الانتخابات أو يقاطعها، وهو إما أن يعترف بإسرائيل أو لا يعترف أو نصف يعترف ونصف لا يعترف، وهو إما أن يسجل جمعيته ضمن قانون الجمعيات أو لا يسجل.
ممكنات السياسي محدودة ال(إما). في حين ممكنات المثقف، لا تعرف (إما) لأنها حرة وقادرة على أن تجمع المتضادات والمتناقضات وقادرة على أن تبتكر الكثير من الممكنات.السياسي له من (فن الممكن) الاسم، والمثقف له المعنى والجوهر.
المثقف يفتح ممكنات الحياة على أشكال مختلفة، والسياسي يختار من ممكنات الحياة أشكال محددة.
[1]) تولستوي في يومياته 21مارس1858، نقلاً عن النحت في الزمن، أندريه تاركوفسكي، ترجمة أمين صالح.
[2]) خليل أحمد خليل، سوسيولوجيا الجمهور السياسي الديني.
[3] ) عبد الرحمن البدوي، موسوعة الفلسفة، الجزء2، ص414.








