"اعلم أن مصلحة الرعية في السلطان ليست في ذاته وجسمه من حسن شكله أو ملاحة وجهه أو عظم جثمانه أو اتساع عمله أو جودة خطه أو ثقوب ذهنه، وإنما مصلحتهم فيه من حيث إضافته إليهم، فإن المُلك والسلطان من الأمور الإضافية، وهي نسبة بين منتسبين. فحقيقة السلطان أنه المالك للرعية القائم في أمورهم عليهم، فالسلطان من له رعية والرعية من لها سلطان، والصفة التي له من حيث إضافته لهم هي التي تسمى الملكة وهي كونه يملكهم فإذا كانت هذه الملكة وتوابعها من الجودة بمكان حصل المقصود من السلطان على أتم الوجوه، فإنها إن كانت جميلة صالحة كان ذلك مصلحة لهم، وإن كانت سيئة متعسفة كان ذلك ضرراً عليهم وإهلاكاً لهم"([1])
الإضافة سر الاجتماع الإنساني، وإذا كان "الاجتماع الإنساني ضروري، ويعبر الحكماء عن هذا بقولهم: "الإنسان مدني بالطبع"، أي لا بد له من الاجتماع الذي هو المدنية في اصطلاحهم وهو معنى العمران"([2]). فإن الإضافة ضرورية لهذا الاجتماع، والإنسان مدني بالطبع لأنه مضاف بالطبع، وهو بالإضافة يقيم علاقاته وصلاته وبهذه الإقامة يعمر المكان فيكون العمران وتكون المدينة.
إضافة الملك تحدد طبيعة الاجتماع الإنساني (المدينة، العمران، المجتمع، الدولة) فالاجتماع الإنساني الذي يضيف فيه الملك الناس إلى نفسه، يفقد إنسانيته، لأنه يحيل الإنسان آلة يحركها المضيف (الملك) بحسب مصلحة وجهه. في هذا الشكل من الإضافة لا مصلحة تعلو فوق مصلحة الملك، لا مصلحة تعلو فوق مصلحة ذاته وجسمه وشكله ووجهه وجثمانه وعمله وخطه، الناس رعية لذاته وجسمه وشكله ولونه، الناس في آلته المركبة من جسمه وشكله، الناس حيث وجهه، الناس حيث خطه، الناس حيث مصلحته.
الناس في هذه الإضافة آلة تعمل من أجل إظهار ملاحة وجه الملك على أحسن ما يمكن أن تكون الملاحة، إنها إضافة التمليح إذن. تتحدد جودة هذه المَلَكة (الصفة التي له من حيث إضافته لهم) بحسب جودة ما تُظهره الإضافة من ملاحه. إن مهمة هذه الإضافة تشخيص مصلحة ملاحة وجه الملك، وكم كان الفارابي حاذقاً وهو يشيد مدينته الفاضلة حين قال "كلّ إنسان في ذاته فذاته له، وكل إنسان في آلة فذاته لغيره". الناس هنا ليسوا في ذاتهم بل في ذات الملك لأنهم في آلة إضافته، ذاتهم ليست لهم، بل لغيرهم، وتزداد ملكيتهم من قبل الغير كلما كانوا جماعة، فالجماعة أتمُّ شبهاً بالآلة من الفرد.
أما الاجتماع الإنساني الذي يضيف فيه الملك نفسه إلى الناس، فإنه اجتماع يتيح للملك أن يضيف إلى كل فرد من الناس ملكاً في ذاته ينطق به، أي ينطق الفرد وكأنه ملك، ويتيح للملك أن يكتسب بكل فرد من الناس إنساناً ينطق به، أي ينطق الملك وكأنه فرد. بهذه الإضافة يقوم الاجتماع الإنساني على (نسبة بين منتسبين)، الملك في هذا الاجتماع ليس مطلقاً من الناس بل مقيد بهم ومُعرّف بهم ومنسوب إليهم ومحدد بهم، والناس ليسوا مطلقين بل منسوبين إلى ما يحكم هذا الاجتماع الإنساني من قوة تستوجب الامتثال، وهي قوة تتجاوز ذات الملك وشخصه وملاحة وجهه.
اللحظة التي تتحول فيها هذه الإضافة (إضافة الملك إلى الناس) إلى قانون (دستور) يُلزم المنتسبين، تنشأ المدينة وتتقوم سياستها، إن هذه الإضافة الإلزامية تستهدف مصلحة الاجتماع الإنساني ووجهه. وبقدر قوتها تكون المصلحة بين منتسبين. أما ما لا يلزم من عبارات العائلة الواحدة والأبواب المفتوحة فهو هراء، وعلى المثقف في المدينة أن يوقفه، لأن وظيفة المثقف في المدينة وقف الهراء كما يقول بورديو.
ما يُقيم المدينة التي هي نموذج للاجتماع الإنساني، هو الإضافة الحرة المحمية بالإضافة الملزمة، أي أن يختار الإنسان في المدينة ما يضيف ذاته له من غير إكراه، وأن يكون اختياره محمياً بقوة القانون الذي يحكم الإضافة الملزمة.
الإضافة في الاجتماع الإنساني، هي سر الإإتلاف والموالاة والمعاداة كما يخبرنا أبوحيان التوحيدي"ولولا إضافة بعضنا إلى بعض ما اجتمعنا ولا افترقنا، ولولا الإضافة بيننا الغالبة علينا ما تفاهمنا ولا تعاوناً. قال: إذا كنا بالتضايف نتوالى، فبأي شيء بعده نتعادى؟ قال: هذا أيضاً بالإضافة، لأن الإضافة ظل، والشخص بالظل يأتلف، وبالظل يختلف"([3])
ظل الإنسان هي روحه التوَّاقة للاجتماع الإنساني وتكوين المدنية وإنشاء العمران، وهي تحقق ما تتوق إليه بالإضافة، ولكن أي إضافة؟ هل هي الإضافة التي تجعلها في آلة أم الإضافة التي تجعلها في ذاتها؟
الإضافة الحرة هي ما يتوالى به الإنسان أو يتعادى من غير الخضوع إلى سابق يجعله في آلة، هي أن تجعل موالاتك للمدينة، ومعاداتك لما يحول دونها.
الخطاب السياسي الذي يظل مضافاً إلى ذات الملك، لا يبني مدينة، والخطاب الصحافي الذي يجعل من مؤسسته في آلة لا يقول إلا حقيقة ما يضاف إليه، أي يكون آلة لا تتوفر على ميزة النطق والتصرف.
المدينة فضاء للقول الحر وحريته مرهونة بقدرته على أن لا يكون في ذات تتملكه، وهذا يتطلب أن تكون جمل القول التي نحاجج بها ونعترض ونستنتج ونقيَّم ونرى جملاً مضافة إلى ذواتنا المستقلة، حين تضاف هذه الجمل إلى ذات الملك، تفقد مدنيتها، فلا تعود تشتغل في فضاء المدينة.
[1]) ابن خلدون، المقدمة، ص176. وانظر إشارة عبدالهادي خلف للنص في مقالته " عـودة إلى مقدمـة ابن خـلـدون " في جريدة الوقت، 11/4/2006.
[2]) ابن خلدون، المقدمة، ص46.
[3]) أبوحيان التوحيدي، الامتاع والمؤانسة، الليلة الرابعة عشرة.








