"شيئان لا ينيان يملآن قلبي بالإعجاب والاحترام، ويزداد فكري تعلقا بهما، وتطبيقا لهما: السماء المضاءة بالنجوم فوق رأسي والقانون الأخلاقي في داخلي" هذا ما كتبه أمانويل كانط على قبره حين مات (1724 - 1804)
وصية الإنسان تمثل خلاصة فلسفته للحياة، أو الحياة التي يريدها أن تستمر بعد موته، حياة أبنائه أو أصدقائه أو مؤسساته أو قيمه أو مفاهيمه، الوصية هي الواجب الذي علينا تركه للآخرين وفق ما يأمرنا به القانون الخلاقي في داخلنا، كانط ترك لنا في وصيته تعريفه للفلسفة "السماء المضاءة بالنجوم فوق رأسي والقانون الأخلاقي في داخلي".
هذا التعريف يختصر أهم سؤالين في فلسفة كانط: ماذا أستطيع أن أعرف؟ ماذا علي أن أفعل؟
السماء المرصعة هي المعرفة، هي العالم الخارجي عالم الظواهر وهو فضاء المعرفة وهو ما أستطيع أن أعرفه. والقانون الأخلاقي في داخلي هو الذي يحدد قانوني الذي أعمل به؟ إذا لم يتحرر ضميرنا وإرادتنا من إملاءات السلطات الخارجية التي تفرض على الإنسان ماذا يفعل وكيف يدير علاقته بالله والآخرين والعالم، فلن ننال الحرية التي هي وحدها التي تجعل منا بشراً.
السماء التي يمكن للإنسان أن يعرفها هي التي تتحدى معرفة الإنسان وهي التي يُسأل عنها وهي التي يحكم باسمها وهي التي يمكنه أن يوسّعها ويستثمرها، أما السماء الغائبة فهي التي يشتاق لها ويصعد بروحه إليها، لكنه إن جعلها ميدان استثمار وذريعة حكم، فإنه سيفقدها ويفقد حريته معها ويحولها سلطة تحجب ضوءه الداخلي، وتغلق شارعه الذي يفتح له إمكانات الأرض. حين تتحول السماء الغائبة سلطة قهر، تفقد إمكان عشقها وخيالها، وتُغيّب باسمها سماء حريتك الخاصة، لذلك عليك أن تُشكّل سماءك الداخلية ليتسع فضاء حريتك.
قبل مدة كان الفنان الألماني رولاند كرويزر يفتح شوارع العالم بأسئلة (كانط) من خلال كتابة هذه الأسئلة التي سماها «أسئلة العالم» على يافطات صفراء، بأربعين لغة، ووزعت على شوارع عدة بلدان. أسئلة فلسفية تفرش في الشوارع وتسأل الإنسان عن نفسه وقلبه وحياته، فتصبح أقرب إليه مما تكونه في الكتب وأدمغة الفلاسفة حيث الأبراج العاجية.
نجوم (كانط) أضاءت أرض أوربا وفتحت شوارعها، واصّعدَتْ إلى السماء بسلطان العقل.








