هوامل الديري
مدونة ثقافية مهتمة بنشر الأفكار الشاردة بلا راع
فعل الفن

"ماذا يمكن أن يفعل الفن؟ لا شيء.. أو ليس بالكثير. لا تتوقع أفعالا خارقة ومعجزات. ربما يحرك مخيلتك.. ربما يجعلك تكترث أكثر بأحلامك ورغباتك..ربما يجعلك تنظر إلى حبيبتك من زاوية مختلفة، ربما يبتكر لك أسئلة جديدة... ربما يجعلك أكثر استعدادا للاتصال بالمستويات الأعمق من ذاتك ومن مشاعرك بأشباهك من البشر ومن عناصر الطبيعة"([1])  

ما يفعله الفن هو أنه ينشئ فيك اختلافاً، اختلافاً في مخيلتك في رؤيتك في لونك في اتصالك في عالمك في رغبتك في بهجتك في أحلامك في ذائقتك.

بقدر ما تختلف فيك خرائط هذه الكائنات يكون الفن فعلاً على اختلاف أجناسه، بهذه القدرة على إنشاء الاختلاف يمكنني أن أقرأ جميع النصوص في حقول المعرفة المختلفة بوصفها فناً ممكنا.

يمكنني أن أقرأ الفن في نصوص ابن عربي متمثلاً في قدرتها على أن تجعلني أرى الكثرة في كل شيء في الإلوهية والإنسان والعالم، لم يعد هناك واحداً بل هناك تجليات متعددة للواحد. ويمكنني أن أقرأ الفن في نصوص أخوان الصفا متمثلاً في قدرتها على أن تجعلني أرى العالم مكونا من تفاوتات وتضادات واختلافات وتباينات وتنافرات ومهمتي في هذا العالم أن أهندس خريطة نسبة تجعل هذه المكونات من عناصر الطبيعة منسجمة في عالمي الصغير(أنا).

        ويمكنني أن أقرأ الفن في نصوص أبي حيان التوحيدي متمثلاً في قدرتها على أن تجعلني أرى الإنسان حركة، فبقدر ما يتحرك لسانه ينشئ منطقاً وبقدر ما تتحرك نفسه ينتج بحثاً وبقدر ما يتحرك قلبه يفكر ويستحيل، وبقدر ما تتحرك روحه وعقله يتشوّّف ويضيء، وبقدر ما تتحرك خرائطه يغيّر هندسة العالم.

ويمكنني أقرأ الفن في نصوص أمين صالح وهي تنشئ فيّ حركة اتصال مختلفة تصلني بعوالم المخيلة البشرية المتعددة، حتى تبدو وكأنها مخيلة واحدة بتجليات كثيرة، تجليات ابن عربي والتوحيدي وأخوان الصفا وقاسم حداد وأدونيس والحلاج وأندريه مالرو وهو يعرف الفن بأنه "سؤال موجه إلى الرب حول معنى الحياة".



[1]) أمين صالح، هندسة أقل خرائط أقل، ص171.

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية