(البيم موج) هو كتاب خاتمي (بيم موج.. المشهد الثقافي في إيران: مخاوف وآمال). كتاب خاتمي بمعنى الكتاب الذي أصدره 1997غداة تولية الرئاسة. وكتاب خاتمي بمعنى نهجه الذي يحمل لونه وروحه وأثره ورسالته وخطابه.
الترجمة الحرفية لـ(البيم موج) هي (في اللجة).وعنوان الكتاب مأخوذ من بيت شعر لحافظ الشيرازي المعروف بلسان الغيب. يتحدث حافظ في هذا البيت عن الحالة الرمزية التي يكون فيها الإنسان في غمرات الموج العاتي بين الخوف والرجاء.
(البيم موج) إذن تعبر عن الحالة التي يكون فيها المشهد الثقافي أو السياسي أو الإنساني في غمرة عاتية تتقاذفه المخاوف والآمال.تحضر هذه الحالة في المراحل التاريخية التي تشهد تحولات ومنعطفات وتحديات كبرى.من مشهد هذه الحالة تنبثق الولادات الجديدة، لذلك (البيم موج) يشبه حالة الحلم بولادة جديدة، وهي حالة تحمل الأمل والخوف، الأمل في انبثاق حياة جديدة والخوف من أن تجهض هذه الحياة، فلا يكون غير الموت في اللجة العاتية.
ما يجمع المثقف والسياسي وما يجعلهما أحياناً شخصا واحدا، كما هو الأمر في حالة خاتمي، هو الحلم بتشييد المدينة، وهو حلم (بيم موجي)، حين نحلم بولادة مدينة جديدة نكون في حالة (بيم موج) لأننا نأمل في حياة جديدة، ونخاف من موت هذا الأمل.
حين كانت أثينا تعيش حالة اضطراب الموج العاتي بسبب اهتزاز نظامها السياسي والاجتماعي، كان أفلاطون يحلم بالمدينة الفاضلة وسط بيم موج الخوف فيه أشد هلعاً، والأمل أشد توقداً.
يقول أفلاطون ملخصاً تجربة بيم موجه " هكذا أيقنت، بعد طول فكر وتحقيق، أن جميع المجتمعات تدار بطريقة غير مرضية، وأن هذا الوضع لن يتغير أبدا إلا باتخاذ طريقة خارقة للعادة في المعالجة (...) إن الفلسفة هي وحدها التي من شأنها أن تنظم حياة الناس الخاصة والعامة، لا منجاة للناس من المآسي والشرور إلا متى أمسك الفلاسفة الحقيقيون بزمام المجتمع أو أقبل من بيدهم أزمة الأمور على الفلسفة"([1])
كان مشروع المدينة الفاضلة عند أفلاطون حلاً خارقا للعادة في معالجة الوضع السياسي، والحل الخارق لا يأتي إلا في صورة حلم خارق للواقع ولموجه العاتي. كما هو (حوار الحضارات) عند خاتمي حلم خارق للعادة في معالجة الوضع السياسي، بعد أن تعولمت المدينة السياسية وتوحشت واحتربت وتأرهبت (من الإرهاب).
"السياسة توأم الإنسان وقرينه"([2]) كما الحلم توأم الإنسان وقرينه، بالحلم يكون الإنسان وبالسياسة يحقق تطلعات حلمه، وليس مثل الحلم يحمل الخوف والأمل، تحضر في أحلامنا مخاوفنا وآمالنا.السياسة مشروع حلم دوماً، وليس أدل على ذلك من مارتن لوثر كينغ ( I have a dream) التي ما فتئ يرددها جميع الساسة الأمريكيون.
السياسة من غير حلم عمى من غير أفق.الحلم حالة بيموجية وحالة سياسية وحالة ثقافية وحالة فلسفية وحالة إنسانية. كل حالة تحضر فيها التناقضات، هي حالة إنسانية، والسياسة بما تحمله من تناقضات هي حالة إنسانية يعيشها البشر بما يحملونه من تخوفات وآمال (بيموج). أن تكون السياسة حالة إنسانية فذاك هو التناقض الأكبر أو البيم موج الأكبر.
البيم موج لجة من التناقضات،عليك أن تدير بيم موجك أو لجة مائك أو لجة تناقضاتك بسياسة السباح الماهر الذي يعرف كيف يدير دفة موج الماء حين يعلو.
البيموج حين يحضر في شيء يحيه، حين يحضر في المثقف والسياسي والمدينة والبحر. العالم يكون حيا بقدر ما يكون بيم موجيا. كأن العالم في هذه اللحظة البيم موجية في لحظة الاضطراب والاختبار والخلخلة والولادة الجديدة.
المدينة حالة بيموجية، وبقدر ما تكاثر من تناقضات حالتها تزدهر مدنيتها. كان أندره فينسنت صاحب نظرية الدولة يقول " يستحيل تصور الحياة المدنية الحرة خارج المدينة، لذا فهو يخلص إلى أن الحياة في المدينة هي موضوع علم السياسة"([3])
ما يجمع المثقف والسياسي هو العمل على تشييد المدينة، وهو عمل يقتضي فعلاً حراً، أي فعل يعيش في وسط بيم موجي لا تحكمه سلطة المخاوف واستبداداتها. حين يتاح للفعل الحر أن يكون تكون المدينة. من هنا تكون وظيفة المثقف وصفة المثقف مشتقة من الفعل الحر، فالمثقف حر لأن وظيفته تشييد الفعل الحر. هكذا كان سقراط يمارس وظيفته الفلسفية التي هي ثقافية بتربية الحوار في المدينة، الحوار الذي هو أبرز فعل حر يمنح المدينة جوهر هويتها.
حين يغيب الفعل الحر تغيب المدينة وتغيب السياسية ويغيب المثقف ويغيب الحلم.وحرية الفعل الحر تقتضي حرية السؤال الذي يعني حرية الفعل الإنساني، فالسؤال فعل يمارسه الإنسان كي ينشيء مدينة، هي مدينة الإنسان، مدينة السؤال لا مدينة الجواب الذي هو محصلة انفعال الإنسان بالمرويات والأخبار والماضي، كما يخبرنا خاتمي في بيم موجه. " في السؤال لجّة ومحجة.. والتفكير الحقيقي يبدأ بطرح الأسئلة الحقيقية... التفكير فعل، أما التعامل مع الأخبار فانفعال.. إنما يثبت الإنسانُ وجوده الإنساني بالتساؤل... الأسئلة تماشي الإنسان"([4])









