هوامل الديري
مدونة ثقافية مهتمة بنشر الأفكار الشاردة بلا راع
التلاقي الوطني من غير آفاق

ملتقى "آفاق التلاقي الوطني" أشبه شيء بمؤتمرات التقريب الدينية وبأسابيع الوحدة الإسلامية من حيث طغيان لغة المجاملات، ونبرة تخفيف المتوترات، وشيوع التطمينات والأمنيات وإلقاء اللوم على الحلقات الأضعف.

وقد ضاعف من هذا الشبه أنها شهدت حضورا واسعا من النخب السياسية، وقد شارك فيها الأمين العام لجمعية الوفاق الشيخ علي سلمان ورئيس جمعية العمل الوطني الديمقراطي إبراهيم شريف ورئيس جمعية المنبر الإسلامي صلاح علي والنائب الثاني لرئيس مجلس النواب الشيخ عادل المعاودة والرئيس السابق لجمعية المنبر التقدمي حسن مدن ورئيس جمعية العمل الإسلامي الشيخ محمد علي المحفوظ، في قاعة جمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد).

في هذه المؤتمرات تتلاقى الشخصيات في الحدود الجغرافية للمكان الذي يجتمعون فيه، لكنهم خارج هذه الحدود لا يجدون فضاءً ولا أفقاً للتلاقي لا على المستوى الفكري ولا الديني ولا الثقافي ولا الروحي.

ما الذي ينقص هذا اللقاء كي يكون تلاقياً؟

ليس الآليات ولا النيات ولا الجدية ولا الصدق، وإن كان هو يفتقد إلى كل ذلك. كان ينقصه الأفق، ويبدو أن بعض التغطيات الصحفية قد أسقطت كلمة (آفاق) من عنوان الندوة لأنها لم تجد فيها أفقاً.

كان ينقصها أفقاً ترى من خلاله ذاتها في العالم، أفقاً تكسر به حاجز الاتصال بالعصر الذي تعيشه. الخطاب الديني للجمعيات السياسية باختلاف تلاوينها، مازال يعيش في منظومات مغلقة، وأيديولوجيات ساكنة، فهي تجد في العودة إلى ماضيها ملاذها الأخير، وتجد في احتراباتها التاريخية نهاية العالم وبدايته. وبشيء من القسوة يمكننا القول إن المشكلة تكمن في أن الخطاب الديني في البحرين على اختلاف ممثليه لم يدخل بعد مرحلة التلاقي مع العصر أو مع اللحظة الزمنية التي يعيشها، وليس لديه القدرة على أن يواجه ذاته بالنقد، فهو دائم الهروب بالمجاملة والتبجيل واستعادة الأمجاد الماضية والعصور المثالية.

كان الشيخ علي سلمان في ندوة التلاقي الوطني يدافع عن خطاب السلف الموجود في البحرين، وكان شيخ علي المعاودة يشكر دفاع الشيخ علي سلمان مستعرضاً مجموعة من الآيات القرآنية والحوادث التاريخية التي تشكل صفاء السلف الصالح "هكذا هم سادتنا وسلفنا الصالح، إلا أن الأتباع قد ينحون منحى خاطئاً" وهو استدراك يتناغم في إيقاعه مع استدراك شيخ علي سلمان الذي كان يقول "نحن لا نعاني من الخطاب الديني الصادر من المنابر الرئيسية في قم أو النجف أو مكة أو الأزهر الشريف، إنما من الاجتهادات الشاذة التي تأزم الأوضاع... على الخطاب الديني أن يركز على المشتركات...وربما لا يحصل هذا الخطاب الذي يبحث عن المشتركات على التهليل والتكبير فهو خطاب علمي وصعب"

مقولة التركيز على المشتركات وإلقاء الأزمات على الأتباع والفروع، هي إحدى أزمات الخطاب الديني عندنا في البحرين. فهو خطاب ينزه أصوله ومراكزه وكبراءه عن النقد والخطأ ويبعد المسؤولية عن كبارئه فيما تؤول إليه خطابات مراكزه واستخداماتها في المجتمع وما ينتج عنها من نفرات تحول دون التلاقي الوطني.

        ولا نغالي حين نقول أن أزمة الخطاب الديني تكمن في فهمه للوطني فهماً ذرائعياً، فالوطني هو وطني بقدر ما يجعل منه تابعاً وموالياً مطلقاً ومستفيداً من اقتصاد الحكومة الريعي، أو الوطن هو وطني بقدر ما يجعل منه معارضاً للحكومة واستبدادها من دون أن يكون معارضاً للسلطة الدينية واستبدادها ممثلة في رموزها المحافظة. ليس للوطني هنا أي معنى زمني يتعلق بقيم الحداثة التي لا يمكن فكها عن مفاهيم الحرية الشخصية والنقد الفكري والديمقراطية والتسامح وقبول المختلف.

قبل أربع سنوات طرحت فكرة مراجعة الخطاب الديني الشيعي، وحاولت في هذه المحاولة استنطاق أبرز الفاعلين في هذا الخطاب، عبر أسئلة تحمل نبرة نقدية، لأبرز القيم المحافظة والتقليدية والمغلقة التي يقوم عليها هذا الخطاب، إلا أن المحاولة باءت بالفشل، ويمكنني أن أفسّر الآن هذا الفشل بالسبب نفسه الذي يجعل من التلاقي الوطني مستحيلاً في ظل الممارسات الحالية المغلقة الآفاق. وقبل سنتين حاولت  أن افتح ملف حوارية المجتمع البحريني عبر استنطاق المهيمنين على الخطاب الاجتماعي، وباءت أيضاً المحاولة بالفشل للسبب نفسه.

إن الخطابات الاجتماعية الدينية في مجتمعنا تحكمها أنظمة معرفية ودينية غير متصالحة مع لحظتها الزمنية ولا مع قيم المواطنة، وما لم يواجه المشاركون في "آفاق التلاقي الوطني" مؤسساتهم الخطابية بقوانينها وقيمها وأعرافها، بمصارحة تقبل النقد، فإنهم لن ينتجوا غير الكذب على أنفسهم وعلى مؤسساتهم وعلى مجتمعهم وعلى جماهيرهم المغرر بها.

 

على مستوى الخطاب الإسلامي الشيعي، هناك مراجعات معرفية عميقة يقودها عبد الكريم سروش بنظريته "القبض والبسط النظري للشريعة" ومحمد مجتهد شبستري في كتابه "هرمونيطيقا الكتاب والسنة " ومحسن كديفر في كتابه "نظرية الحكم في الفقه الشيعي .. بحوث في ولاية الفقيه" وعبد الجبار الرفاعي في مجلة " قضايا إسلامية معاصرة " التي أولت عناية كبيرة لما يعرف الآن "بعلم الكلام الجديد ". على الرغم مما تثيره هذه الإسهامات من أهمية كبيرة في مجال تجديد فهمنا للدين والمعرفة الدينية إلا أننا نكاد لا نجد أي صدى لها في الخطاب الإسلامي الشيعي في البحرين.

وعلى المستوى الإسلامي السني، هناك أيضاً مراجعات معرفية عميقة يقودها رضوان السيد وسعيد جودت وحسن حنفي لكننا نكاد لا نجد لها صدى في الخطاب الإسلامي السني في البحرين.
الأربعاء 23مارس.
 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية