هوامل الديري
مدونة ثقافية مهتمة بنشر الأفكار الشاردة بلا راع
آدم أبوالاختلافات

عن الإمام الباقر"لو علم الناس كيف ابتدأ الخلق لما اختلف اثنان" امتناع هذا العلم هو سر إنسانية الإنسان، الإنسان حيث نسيان لحظة الابتداء، لحظة الأصل، لحظة آدميته، وبنسيان هذه اللحظة يبدأ اختلافه وتبدأ لحظته السياسية.

تبدأ لحظة السياسة بالاختلاف على آدم والاختلاف عنه والاختلاف إليه، حين لا يختلف اثنان تكون السياسة غائبة، فالسياسة تبدأ بلحظة الاختلاف هذه. الاختلاف هنا بمعنى التمايز والتفاوت والعودة إلى الشيء والرجوع عنه.

ظل آدم محلاً للاختلاف، أصلاً نؤول إليه(نرجع) لنختلف، بهذا المعنى الرجوع تأويل يقوم على ممارسة الاختلاف، نحن نعود إلى آدم واحد لكنا نرجع بأوادم مختلفة.

يظل آدم محل لنزاع الكتب المقدسة والمفسرين وعلماء الدين وعلماء البيولوجيا وعلماء الكلام والفلاسفة والسياسيون والحضارات والمؤرخون وكل ما يصير اثنين.

صار آدم محل نزاع، فكل واحد من اثنين مختلفين يستند إلى آدم لتبرير فكرة ما أو حركة ما أو مشروع ما أو لتثبيت حقيقة ما، أو للانتصار لأصل ما يتعلق بأصل اللغة أو أصل العالم أو أصل السلطة أو أصل الإنسان أو أصل الخطيئة أو أصل الجنس أو أصل الجغرافيا أو أصل الحضارة. صار آدم ذريعة تستخدم للتبرير أو التثبيت أو الانتصار أو التأصيل.

المثال الأكثر دلالة على استخدام آدم، هو الفكر السياسي الذي نشأ في عصر النهضة الأوربية بين الانتصار لفكرة السلطة المطلقة والملكية غير المحكومة بدستور وبين الانتصار لفكرة الملكية الدستورية وحكم الشعب والبرلمان، وفي هذا الخلاف كان آدم حاضراً بقوة أصله.

كتاب جون لوك (1632 - 1704) "في الحكم المدني" الذي يعد بمثابة آدم النظرية السياسية الغربية بما امتلكه من تأثير أبوي في الفكر السياسي الغربي، هو ثمرة من ثمار عدم علم الخلق كيف ابتدأ الخلق.

كان (جون لوك) و(السير روبرت فيلمر) اثنين مختلفين في معرفة كيف ابتدأ الخلق، إنهما مختلفان في آدم، فيلمر ألف سنة 1680كتاب (الحكم الأبوي patriarcha) وهو دفاع عن حق الملكية الإلهي المتحدر بالوراثة عن آدم. سيادة آدم هي الأساس الذي بنى عليه مؤلف "الحكم الأبوي" فرضيته الرئيسة في الملكية المطلقة التي هي رديف السيادة، والتحكم بأرواح الأبناء، والملكية الشاملة، وسلطة الحياة والموت المطلقة.

لقد خصَّ فيلمر آدم بهذه السلطة الخطيرة، وبنى على تلك الفرضية أسس الحكم، وأسس سلطة الملوك كلها"كان آدم أباً وملكاً وسيداً على أسرته، وكان الابن والمحكوم والخادم والعبد شيئاً واحداً في البدء"([1])

صور فيلمر الحكومة بأنها امتداد للأسرة. وبأن الله قد أودع السيادة في الأسرة الإنسانية الأولى، في آدم، والذي منه انحدرت السيادة إلى الآباء من بعده. كان آدم سيد الجميع وقد ورث الملوك هذه السيادة. السلطة الأبوية أو حق الأبوة أو السلطة الأبوية عند فيلمر "غير محدودة وغير قابلة للحد" وغير مفصولة وغير مقسمة وغير مراقبة وغير قابلة للأخذ أو التداول.

على خلاف ذلك كان لوك، فقد ذهب إلى أننا كلنا ورثاء آدم بحكم كوننا من ذريته ولنا جميعا حق متساو بهذه السلطة المطلقة. وقد أبطل الأصل الإلهي للسلطة الذي سعى لتثبيته فيلمر، وبناها على أساس عقلي طبيعي، وعلى هذا الأساس توصل الناس إلى اتفاق "عقد اجتماعي" فيما بينهم تنازلوا فيه عن حقوقهم الفردية في القضاء والعقاب، لا لملك معين، بل للجماعة ككل. وعلى هذا تكون الجماعة هي السيد أو الحاكم الحقيقي، وهي تختار بأغلبية الأصوات رئيساً أعلى ينفذ مشيئتها ويمكن أن يسمى ملكاً، ولكنه مثل أي مواطن آخر ملتزم بطاعة القوانين التي تسنها الجماعة.

انتقل اختلاف لوك حول آدم فيلمر من إنجلترا إلى فرنسا مع فولتير في 1729، ووسع مونتسكيو هذا الاختلاف عند زيارته لإنجلترا 1729-1731 لتكتمل نظريته في فصل السلطات، وذلك بفصل  السلطة القضائية، وكان لهذا الاختلاف صداه عند روسو وغيره قبل الثورة الفرنسية وفي أثنائها.

البحث عن آدم بحث عن أصل مقدس، والأصل يحيل على الغياب، غياب كل شيء عدا هذا الأصل، فآدم لا يحضر معه شيء، كل شيء غائب وهو متفرد بالسلطة الإلهية التي يهبها لمن يصطفيه من ذريته بحكم أبوته.

تترادف الأبوة مع الأصل مع آدم مع الابتداء مع الغياب مع الإطلاق، من هنا يصبح البحث عن آدم بحث محفوف بخطورة الإطلاق، إذ إن الأبوة أصل قائم بنفسه لا قائم بغيره، الأبوة ملك في ذاته لا بالناس، لأنه مطلق من حكم الناس ومراقبتهم وشرعيتهم ومكتف بذاته.

لقد عملت الآداب السلطانية على تثبيت هذه الأبوة بمنحها الشرعية الدينية والآداب التي تمكنها من إحكام سلطتها وتأديب رعيتها.

إن الانشغال بحقيقة آدم قد أنتج مآزق إطلاقية خطيرة في فهم الحقيقة والسلطة والأبوة، كما هو الأمر في مشروع محمد شحرور وعبد الصبور شاهين وأخيراً مشروع (عندما نطق السراة) الذي دشنته جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية قبل أشهر.

إن هذا الانشغال بحقيقة آدم انشغال بالحقيقة الموضوعية حيث الأبوة والأصل والأول والابتداء وهو انشغال لا ينتج غير أوهام العلمية والاصطفاء والتفرد بالحقيقة والتميز.

كما يقول مثلا شحرور "آيات خلق آدم كلها قرآن... والقرآن حقيقة موضوعية مطلقة في وجودها خارج الوعي الإنساني وفهم هذه الحقيقة لا يخضع إلا لقواعد البحث العلمي الموضوعي" وكما تقول سلسلة عندما نطق السراة " فمعرفة خلق آدم قنطرة مركزية في معرفة ما يليها من بحوث تعنى بالحضارة واللغات والثقافات والأديان" وهي معرفة متمركزة تجعل من جبال السراة بالجزيرة العربية مركزا وأصلا للعالم حيث كان آدم هنا "السَّراة هي سُّرة الأرض ومركزها ومحورها... السَّراة قلب الأمة وبابها إلى السماء... في السَّراة كانت جنَّة آدم التي أُهبط منها بعد المعصية... هناك بدأت قصة الخلق ومن هناك تُختم

وكما هو الأمر في مشاريع الإسلام السياسي القائم على فهم خلافة آدم.

آدم أبو الاختلافات، ومتى جعلنا منه أصلا لشيء واحد، فقد آدميته التي ترينا كيف أن الله يتجلى في صور متعددة بتعدد أنفاس الخلائق.



[1]) في الحكم المدني، جون لوك، ترجمة ماجد فخري.

 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية