هوامل الديري
مدونة ثقافية مهتمة بنشر الأفكار الشاردة بلا راع
هوامل التوحيدي

 

كتاب الهوامل والشوامل

علي أحمد الديري

ذهبت لهوامل التوحيدي أشق شارعا جديدا لمدينة عربية جديدة

 

كان من أهم قراءاتي لهذا العام رجوعي إلى كتاب (الهوامل والشوامل) الذي هو نتاج أديبين فيلسوفين، هما ابن مسكويه وأبوحيان التوحيدي.

الهوامل: وهي النياق الشاردة بلا راع، وبها سمى أبو حيان أسئلته (وهي 175 سؤالاً) التي بعث بها إلى مسكويه (ت 421هـ). فأجابه مسكويه بأجوبة سماها: (الشوامل). يقال شملت إبلكم لنا بعيراً: أي أخفته ودخل في شملها.

والظاهر - كما يقول المحقق- أن الكتاب أخفي قديماً خوفاً عليه من سخط العامة، فانقطع خبره، ولم يذكره أحد من المؤرخين، سوى البيهقي في (تاريخ حكماء الإسلام).

كانت التوحيدي يسأل: ما الإنسان؟ وما المعرفة؟ وما العلم؟ وما الإتلاف؟ وما الاختلاف؟ (ما السبب في قتل الإنسان نفسه عند إخفاق يتوالى عليه) و(ما السبب في اشتياق الإنسان إلى ما مضى من عمره، حتى إنه ليحن حنين الإبل) و(لم صار الإنسان إذا صام أو صلى زائداً عن الغرض المشترك فيه، حقَّر غيره واشتط عليه، وارتفع على مجلسه ووجد الخنزوانة في نفسه، وطارت النعرة في أنفه حتى كأنه صاحب الوحي) و(ما الذي حرك الزنديق على الخير وإيثار الجميل) و(ما سبب غرور أولاد المشهورين وتعاليهم على الناس) و(ما السر في أن الناس يستخفون من أطال ذيله وكبر عمامته) و(لم صار العروضي رديء الشعر، والمطبوع على خلافه) و(ما الذي سوغ للفقهاء أن يقول بعضهم في الفرج الواحد: هو حرام، ويقول الآخر: هو حلال....وهم يزعمون أن الله قد بين الأحكام ونصب الأعلام وأفرد الخاص من العام، ولم يترك رطباً ولا يابساً إلا أودعه كتابه) و(لم صار من يطرب إلى غناء يمد يده ويحرك رأسه..)  و(لم صار اليقين إذا حدث وطرأ لا يثبت ولا يستقر؟ والشك إذا عرض أرسى وربض؟)

أسئلة مشبعة بروح عاطفية قلقة تطارد التناقض في كل مكان لكي يجعل الحقيقة المخبوءة تنبثق وتظهر، كما يقول محمد أركون، أبرز المشتغلين على فلسفة التوحيدي.

أن تسائل أجوبة شاملة، يعني أنك تريد أن تحرر المعرفة من برودة الأجوبة الجاهزة.كم نحن بحاجة اليوم إلى أن نتعلم من التوحيدي، كيف نعيد للسؤال حرارته وحرقته ونفوره من المعرفة الشاملة.

الرجوع إلى هوامل أبي حيان التوحيدي في غاية الأهمية اليوم، لأنها تعلمك كيف تهمل شوامل ثقافتك، وتكون نافراً بأسئلتك القلقة والمشككة، تعلمك كيف تجعل من السؤال حركة بحث قلقة ومزعجة، تعلمك كيف تسائل بدهياتك، ومهملاتك ويومياتك وعوارضك ووجودك الحي، وحالاتك النزقة والمتغيرة والمتناقضة، تعلمك أن تسأل عن إللاعقل فيك وإللا منطقي وإللا إنساني، تعلمك هوامل أبوحيان كيف تجعل من سؤالك مغامرة لا طلباً لمعرفة جاهزة، وتحرض سؤالك أن يكون سؤالا اعتراضيا ونقديا وفاتحا. تعلمك كيف يكون سؤالك كتاباً مفتوحا على روح العالم والإنسان بتعدده واختلافه!! تعلمك أن السؤال يبقى نافرا لا يسكنه شمول أي منطق ولا أية منظومة ولا أي مذهب.

هوامل أبي حيان التوحيدي تعلمك أن السؤال حركة، وإن الإنسان كله حركة، ومتى فقدت حواسه أو روحه أو أعضاءه الحركة فقد إنسانيته، حين تحاصر سلطة الأجوبة بشمولها حركةَ لسانه ونفسه وقلبه وروحه وعقله، يفقد إنسانيته"الحركة صورة واحدة لكنها توجد في مواد كثيرة ومحال مختلفة، وبحسب ذلك تُولَّى أسماء مختلفة .... [فهي] في اللسان منطق، وفي النفس بحث، وفي القلب فكر، وفي الإنسان استحالة، وفي الروح تشوُّف، وفي العقل إضاءة واستضاءة....." أبو حيان التوحيدي/المقابسة 49. هوامل أبي حيان هي هذه الحركة، حركة الأسئلة المتشوفة للاستضاءة والاستحالة والتقلب.

"كل عبارة منتهية يتهددها الخطر بأن تكون أيدلوجية" كما تقول جوليا كرستيفا، هوامل أبي حيان حركة ضد العبارات المنتهية، ضد العبارات الشاملة ضد خطرها المحدق بالإنسان ضد نزعتها في أن تتحول معتقدا صلبا أو أيديوجية تشل حركة الإنسان.هوامل تقاوم رغبات الاستحواذ والشمول.

هوامل تخرجك بنفورها وتحديها من الواحد الشامل: جواب واحد تقدمه ثقافة واحدة أو دين واحد أو مذهب واحد أو شيخ واحد أو معتقد واحد أو منطق واحد، وتصلك بهوامل المتعددين والمتنوعين والمتكوثرين.

إن الجواب يحتاج إلى حركة السؤال، إن الشامل معوز ومحتاج وفقير إلى الهامل إلى حركته وروحه واحتجاجه ونهمه.لذلك كان ابن مسكويه محتاج إلى التوحيدي، محتاج إلى سؤاله، أكثر مما كان التوحيدي محتاج إلى جواب ابن مسكويه.

العالم يتجدد بالهوامل، من يفتح حياتنا بالأسئلة يحرك عالمنا ويجدده ويغيره، هوامل كانط المحركة كانت أربعة: «ماذا أستطيع أن أعرف؟»، «ماذا يجب أن افعل؟»، «ماذا يمكن أن آمل؟»، و«ما هو الإنسان؟». أربعة من أسئلة الفيلسوف إيمانويل كانط، وجَّهت كتابه الشهير «نقد العقل المحض»، ولأننا بحاجة دوما إليها كي نجدد حياتنا، فقد كتبت على يافطات صفراء، وبعدة لغات، ووزعت على شوارع عدة بلدان ومدن أوروپية، حيث انطلق المشروع بداية من ألمانيا، فرنسا، اللوكسمبورغ، الدانمارك،اليونان، بريطانيا، وغيرها.

لبنان كان البلد الأول الذي يشهد هذا المشروع خارج القارة الأوروپية، والمشروع ألماني الأصل، وهو بعنوان: «weltfrageَ»، أي «أسئلة العالم»، والفكرة لفنان ألماني اسمه رولاند كرويزر، وأراد من خلال عرضه التجهيزي البصري هذا، أن يعيد طرح أسئلة كانط الفلسفية على شعوب العالم، وهو يستعمل أكثر من أربعين لغة عالمية مختلفة. أسئلة فلسفية تفرش في الشوارع وتسأل الإنسان عن نفسه وقلبه وحياته، فتصبح أقرب إليه مما تكونه في الكتب وأدمغة الفلاسفة حيث الأبراج العاجية.

الأرصفة ليست وحدها ما يشكِّل شوارع المدن، فهناك الهوامل التي تحرك أرصفة الشوارع، يتحرك الشارع بهذه الهوامل فيتغير ويتجدد.

هوامل التوحيدي هي نفسها هوامل كانط عابرة للثقافات والحضارات والأزمنة، أليس الشارع العربي بحاجة إلى يافطات صفراء تكتب عليها هوامل التوحيدي؟ أليست المدن العربية الشاملة بحاجة إلى شوارع جديدة تجمل تجهمها وترونق عبوسها؟!! أليست الثقافة العربية بحاجة اليوم إلى هوامل الشك لتخفف بها من شوامل اليقين؟!!

لقد ذهبت للتوحيدي أشق شارعا جديدا لمدينة عربية جديدة، ذهبت إليه لأن شوارع مدينتي صارت مزدحمة ومهترئة ولا حياة فيها، ذهبت إليه أبحث عن طريق رحب أمشي فيه، من دون إشارات حمراء تخنق حركتي.

 

 

 

(9) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 12 فبراير, 2006 12:10 ص , من قبل Mohammad fadhel

مدونة جميلة .. ساحرص على زيارتها باستمرار والمشاركة فيها بالتعليق او الصمت ..!

لك ما في القلب .. ودعوة مفتوحة لزيارة مدونتي الثالثة من نوعها .. اسمها "درب الفراشات" او بالاصح: papillonpath

اضيف في 12 فبراير, 2006 09:55 ص , من قبل جمال حميدان

جميلة هذة المدونة ..شكراً للدعوة

و أطالبك بمزيد من الإبداع

اضيف في 12 فبراير, 2006 11:58 ص , من قبل علي سلطان

مازلت أيها الصديق تتحفنا بكل جديد دائما. شكرا على هذه المدونة التي ستكون زادا جديدا لنا نتذوقه كلما سنحت لنا الفرصة. تمنياتي لك بمزيد من الإبداع.

اضيف في 12 فبراير, 2006 02:57 م , من قبل layla alsayed

أنت رب لكل فكرة شاردة بلا راع ولكل فكرة لم يتأتى لها أساسا أن تخلق لتشرد
يا علي.. محبتي

اضيف في 13 فبراير, 2006 02:00 م , من قبل عبدالله جناحي

انتعشت كثيرا من مدونتك الرائعة
وانبهرت بهوامل التوحيدي الذي اطمح اطلاعي على مكان الحصول نسخة منه
اشد على ساعديك فانت ما زلت مبدعا في مجال وحقل صعب وعميق
جناحي

اضيف في 13 فبراير, 2006 05:12 م , من قبل الشاعرة نضال نجار

شكراً للاختلاف، لطرح الأسئلة المحرَّمة في
زمن طاش ماطاش..

هوامل أبي حيان التوحيدي موجودةٌ لدى كل كائنٍ ( حي) وأشدد على كلمة حي..
إنها الإِدراكات الحقيقية و الاخرى الإِعتبارية، هي كل مايتعلق بالحس والعقل من تساؤلات واستفسارات وقضايا هدفها تذويب المسافات بين بني البشر
والانفتاح على الاختلافات المتعددة في الموجودات والنشاطات والأفكار
والمعلومات المعقدة أوالبدائية منها..

سلمت يداك

اضيف في 13 فبراير, 2006 09:00 م , من قبل أبو خالد من البحرين

عزيزي علي
أطيب تمنياتي لك يالتوفيق في رحلتك الوعرة التي سوف تكون طويلة بالتأكيد. عندما تضطر إلى التوقف عند إحدى الإشارات الحمراء، لا تيأس بل اعتبرها استراحة تتعرف من خلالها على طريقك خارج الزحام.

اضيف في 17 فبراير, 2006 04:11 م , من قبل لويس جرجس

عزيزي علي
بهرتني مقالتك وأعجبتي الاختيار والتركيز على ان الانسان حركة ومتى فقد الحركة فقد انسانيته ، كما اعجبني الربط مع كانط في اسئلته الاربع.وذكرتني هوامل الشك بديكارت "ابو الشك "
أحسنت في المقابلة بين هوامل الشك وشوامل اليقين
سر على بركة الله وفي انتظار ابداعات أخرى تحرك سكون الثقافة العربية

اضيف في 18 فبراير, 2006 07:51 ص , من قبل عيسى

مفرح ان تكون من القلة التي تحفر باظفارها في جدران ثقافة التتريث..
ومفرح ان يثقب احد الجدران لتنهمر الاسئلة..!!
شكرا. ومن القلب اتمنى لك التوفيق.



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية